قالوا استئناف بياني كأنه قيل فماذا قال فرعون وأصحابه : لموسى عند ما قال لهم ما قال؟ فقيل قالوا : عاجزين عن المحاجة أجئتنا خطاب لموسى وحده لأنه هو الذي ظهرت على يده معجزة العصا واليد البيضاء لتلفتنا أي : لتصرفنا واللام متعلقة بالمجيء ، أي : أجئتنا لهذا الغرض.
عما وجدنا عليه آباءنا أي : من عبادة الأصنام.
وقال سعدى المفتي : الظاهر من عبادة غير الله تعالى فإنهم كانوا يعبدون فرعون.
وتكون لكما الكبرياء أي : الملك ، لأن الملوك موصوفون بالكبر والتعظيم.
في الأرض أي : أرض مصر فلا نؤثر رياستكما على رياسة أنفسنا ، فلما بينوا أن سبب إعراضهم عن قبول دعوتهما هذان الأمران صرحوا بالحكم المتفرع عليهما فقالوا : وما نحن لكما بمؤمنين أي : بمصدقين فيما جئتما به.
جزء : 4 رقم الصفحة : 68
﴿وقال فرعون﴾ يأمرهم بترتب مبادي إلزامهما عليهما السلام بالفعل بعد اليأس عن إلزامهما بالقول.
ائتنوني بكل ساحر عليم بفنون السحر حاذق ماهر فيه ليعارض موسى فلما جاء السحرة الفاء فصيحة ، أي : فأتوا به فلما جاؤوا في مقابلة موسى.
قال لهم
69
موسى ألقوا ما أنتم ملقون أي : ملقون له كائنا ما كان من أصناف السحر.
وفي إبهام.
ما أنتم تخسيس له وتقليل وإعلام إنه لا شي يلتفت إليه.
فإن قيل : كيف أمرهم بالسحر والعمل بالسحر كفر والأمر بالكفر كفر.
فالجواب إنه أمرهم بإلقاء الحبال والعصي ليظهر للخلق أن ما أتوا به عمل فاسد وسعى باطل لا إنه أمرهم بالسحر فلما ألقوا ما ألقوا من العصي والحبال واسترهبوا الناس وجاؤوا بسحر عظيم قال لهم موسى غير مكترث بهم وبما صنعوا ما جئتم به السحر أي : الذي جئتم به هو السحر لا ما سماه فرعون وقومه سحرا من آيات الله سبحانه ، فما موصولة وقعت مبتدأة والسحر خبرها والحصر مستفاد من تعريف الخبر إن الله سيبطله أي : سيمحقه بالكلية بما يظهره على يدي من المعجزة فلا يبقى له أثر أصلا ، أو سيظهر بطلانه للناس والسين للتأكيد.
إذا جاء موسى وألقى العصا
فقد بطل السحر والساحر
سحر بامعجزه هلو نزند ايمن باش
إن الله لا يصلح عمل المفسدين أي : لا يثبته ولا يكمله ولا يديمه بل يمحقه ويهلكه ويسلط عليه الدمار.
قال القاضي : وفيه دليل على أن السحر إفساد وتمويه لا حقيقة له انتهى.
وفيه بحث فإنه عند أهل الحق ثابت حقيقة ليس مجرد إراءة وتمويه وكون أثره هو التخييل لا يدل على أنه لا حقيقة له أصلا.
جزء : 4 رقم الصفحة : 69
﴿ويحق الله الحق﴾ (آنجه من آورده ام) أي : يثبته ويقويه بكلماته بأوامره وقضاياه ولو كره المجرمون ذلك والمراد بهم كل من اتصف بالإجرام من السحرة وغيرهم.
قال الكاشفي : (يعني حق سبحانه وتعالى بوعده نصرت وفاكند وازخشم وكراهت دشمنان باك ندارد ودر منثوى معنوي اشارتي بدين معنى هست)
حق تعالى ازغم وخشم خصام
كي كذارد اوليارا درعوان
مه فشاند نوروسك وع وع كند
سك زنور ماه كي مرتع كند
خس خسانه ميرود برروى آب
آب صافي ميرود بي اضطراب
مصطفى مه ميشكافد نيمشب
ا مى خايد ز كينه بولهب
آن مسيحا مرده زنده ميكند
وآن جهود ازخشم سبلت مكيند
وفي الآيات إشارة إلى موسى القلب وهارون السر وفرعون النفس وصفاتها وما يجري بينهما من الدعوة وعدم القبول ، فإن موسى القلب وهارون السر يدعون النفس إلى كلمة التوحيد وعبادة الله تعالى ، والنفس تدعي الربوبية ولا تثبت إلها غير هواها وتمتنع أن تكون السلطنة والتصرف لهما في أرضها والله تعالى يحق الحق بكلمة لا إله إلا الله ولو كره المجرمون من أهل الهوى من النفوس المتمردة الأمارة بالسوء.
قال الحافظ :
اسم أعظم بكند كارخود اي دل خوش باش
كه بتلبيس وحيل ديو سليمان نشود
يحكى أن الشيخ الجنيد العجمي اجتهد أربعين سنة لينال السلطنة فلم يتيسر ثم جاء من أولاده سلاطين روافض كشاه إسماعيل وشاه عباس وشاه طهماس ، فهزمهم الله تعالى على أيدي الملوك العثمانية فاندفع شرهم وارتفعت فتنتهم من الأرض ، فقد ظهر أن الحق ، من أهل الحق فهم كموسى وهارون ، وأهل الباطل كفرعون ، وقد ثبت أن لكل فرعون موسى وذلك
70
في كل عصر إلى أن ينزل عيسى عليه السلام ويقتل الدجال.
فإن قلت ما الحكمة في تسليط الظلمة على أهل الأرض ، وقد استعبد فرعون بني إسرائيل سنين كثيرة؟.
قلت : تحصيل جوهرهم مما أصابهم من غش الآثام إن كانوا أهلا لذلك وإلا فهو عذاب عاجل يحكى أن عمر رضي الله عنه لما بلغه أن أهل العراق حصبوا أميرهم ، أي : رموه بالحجارة خرج غضبان فصلى فسها في صلاته فلما سلم قال : اللهم إنهم لبسوا علي فألبس عليهم وعجل عليهم بالغلام الثقفي يحكم فيهم بحكم الجاهلية لا يقبل من محسنهم ولا يتجاوز عن مسيئهم وكان ذلك قبل أن يولد الحجاج فلما ولد كان من أمره ما كان ، وفي الحديث : يلحد بمكة تيس من قريش اسمه عبد الله عليه مثل أوزار الناس.
جزء : 4 رقم الصفحة : 70