﴿ألا إن لله من فى السماوات ومن فى الأرض﴾ أي : العقلاء من الملائكة والثقلين ، وإذا كان هؤلاء الذين هم أشرف الممكنات عبيدا له سبحانه مقهورين تحت قدرته وملكيته فما عداهم من الموجودات أولى بذلك فهو تعالى قادر على نصرك عليهم ونقل أموالهم وديارهم إليك.
وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء ما نافية وشركاء مفعول يتبع ومفعول يدعون محذوف لظهوره ، والتقدير : وما يتبع الذين يدعون آلهة من دون الله شركاء في الحقيقة وإن سموها شركاء ؛ لأن شركة الله تعالى في الربوبية محال إن يتبعون إلا الظن أي : ما يتبعون إلا ظنهم أنها شركاء.
وإن هم أي : ما هم إلا يخرصون يكذبون فيما ينسبونه إلى الله سبحانه يقال : خرص يخرص خرصا أي : كذب وهو من باب نصر والخراص الكذاب ، ثم نبه على تفرده بالقدرة الكاملة والنعمة الشاملة ليدلهم على توحده باستحقاق العبادة فقال :
جزء : 4 رقم الصفحة : 62
﴿هو الذى جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا﴾ لتحصيل أسباب معاشكم فحذف مظلما لدلالة مبصرا عليه وحذف لتتحركوا لدلالة لتسكنوا عليه ، وإسناد الإبصار إلى النهار مجازي ، والمراد يبصر فيه كقوله نهاره صائم وليله قائم أي : صام في نهاره وقام في ليله.
وفيه إشارة إلى أن الله تعالى جعل بعض الأوقات للاستراحة من نصب المجاهدات وتعب الطاعات لنزول ملالة النفوس وكلالة القلوب ويستجد الشوق إلى جانب المطلوب ومن ثمة جعل أهل التدريس يوم التعطيل ليحصل النشاط الجديد للتحصيل كما قال ابن خيام :
63
زماني بحث ودرس وقيل وقالي
كه انسانرا بود كسب كمالى
زماني شعر وشطرنج وحكايات
كه خاطررا شود دفع ملالى
ففي الانتقال من أسلوب إلى أسلوب تجديد كتقلب أهل الكهف من اليمين إلى اليسار من عهد بعيد.
قال الحافظ :
از قال وقيل مدرسه حاله دلم كرفت
يك ند نيزخدمت معشوق ومى كنم
إن في ذلك أي : في جعل كل منهما كما وصف لآيات عجيبة كثيرة لقوم يسمعون أي : سماع تدبر واعتبار لمواعظ القرآن وتخصيص الآيات بهم مع أنها منصوبة لمصلحة الكل لما إنهم المنتفعون بها.
قالوا أي : بنوا مدلج كما في الكاشفي.
اتخذ الله ولدا أي : تبناه.
وفي التبيان قالت اليهود : عزير ابن الله ، وقالت النصارى : المسيح ابن الله ، وقالت قريش : الملائكة بنات الله.
سبحانه تنزيه وتقديس له عما نسبوا إليه من الولد وتعجب لكلمتهم الحمقاء إما أنه تنزيه ؛ فلأن تقديره اسبحه تسبيحا أي : أنزهه تنزيها وأما أنه تعجب فلأنه يقال : في مقام التعجب سبحان الله واستعمال اللفظ في الأول حقيقي وفي الثاني مجازي.
فإن قلت : لفظ واحد في معنيين حقيقي ومجازي ممنوع.
قلت : لا يلزم أن يكون استفادة معنى التعجب منه باستعمال اللفظ فيه بل هي من المعاني الثواني كما في حواشي سعدى لبى.
ورد في الأذكار لكل أعجوبة سبحان الله ، ووجه إطلاق هذه الكلمة عند التعجب هو أن الإنسان عند مشاهدة الأمر العجيب الخارج عن حد أمثاله يستبعد وقوعه ، وتنفعل نفسه منه كأنه استقصر قدرة الله فلذلك خطر على قلبه أن يقول قدر عليه وأوحده ، ثم تدارك إنه في هذا الزعم مخطىء فقال : سبحان الله تنزيهاتعالى عن العجز عن خلق أمر عجيب يستبعد وقوعه لتيقنه بأنه تعالى على كل شيء قدير كذا في حواشي ابن الشيخ في سورة النصر هو الغني عن كل شيء وهو علة لتنزهه سبحانه فإن اتخاذ الولد مسبب عن الحاجة فيتخذه الضعيف ليتقوى به والفقير ليستعين به والذليل ليتعزز به والحقير ليشتهر به وكل ذلك علامة الاحتياج له ما في السموات وما في الأرض أي : من العقلاء وغيرهم وهو تقرير لغناه ، وتحقيق لمالكيته تعالى لكل ما سواه ، إن عندكم من سلطان بهذا أي : ما عندكم حجة وبرهان بهذا القول الباطل الذي صدر منكم فإن نافية ومن زائدة لتأكيد النفي وسلطان مبتدأ ، والظرف المتقدم خبره وبهذا متعلق بسلطان أتقولون على الله ما لا تعلمون توبيخ وتقريع على اختلافهم وجهلهم ، وفيه تنبيه على أن كل قول لا دليل عليه فهو جهالة ، وإن العقائد لا بد لها من برهان قطعي ، وأن التقليد فيها غير جائز.
جزء : 4 رقم الصفحة : 63
﴿قل إن الذين يفترون على الله الكذب﴾ باتخاذ الولد وإضافة الشريك إليه.
لا يفلحون لا ينجون من مكروه ولا يفوزون بمطلوب أصلا.
متاع في الدنيا جواب سؤال كأن قائلا قال : كيف لا يفلحون وهم في الدنيا بأنواع ما يتلذذون به متمتعون فقيل ذلك متاع يسير في الدنيا زائل لا بقاء له وليس فوز بالمطلوب ثم إلينا مرجعهم أي : بالموت ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون فيبقون في الشقاء المؤبد بسبب كفرهم المستمر في الدنيا فأين هم من الفلاح؟
قال في التأويلات النجمية : في الدنيا ما ذاقوا ألم العذاب لأنهم
64
كانوا نياما والنائم لا يجد ألم شيء من الجراحات والناس نيام فإذا ماتوا انتهبوا.
مردمان غافلند از عقبى
همه كويى بخقتكان مانند
ضرر غفلتي كه مى وزرند