اعلم أن الولاية على قسمين عامة وهي مشتركة بين جميع المؤمنين كما قال الله تعالى : الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور}(البقرة : 57) وخاصة وهي مختصة بالواصلين إلى الله من أهل السلوك ، والولاية عبارة عن فناء العبد في الحق والبقاء به ، ولا يشترط في الولاية الكرامات الكونية فإنها توجد في غير الملة الإسلامية ، لكن يشترط فيها الكرامات القلبية كالعلوم الإلهية والمعارف الربانية ، فهاتان الكرامتان قد تجتمعان كما اجتمعتا في الشيخ عبد القادر الكيلاني والشيخ أبي مدين المغربي قدس الله سرهما فإنه لم يأت من أهل الشرق مثل عبد القادر في الخوارق ومن أهل الغرب مثل أبي مدين مع مالهما من العلوم والمعارف الكلية وقد تفترقان فتوجد الثانية دون الأولى كما في أكثر الكمل من أهل الفناء ، وأما الكرامات الكونية كالمشي على الماء والطيران في الهواء وقطع المسافة البعيدة في المدة القليلة وغيرها فقد صدرت من الرهابنة والمتفلسفة الذين استدرجهم الحق بالخذلان من حيث لا يعلمون كما سبق في سورة البقرة عند قوله تعالى : ﴿ثم قست قلوبكم منا بعد ذالك فهى كالحجارة أو أشد قسوة﴾ (البقرة : 74) الآية.
والنبوة والرسالة كالسلطنة اختصاص إلهي لا مدخل لكسب العبد فيها.
وأما الولاية كالوزارة فلكسب العبد مدخل فيها فكما يمكن الوزارة بالكسب ، كذلك يمكن الولاية بالكسب وفي الحقيقة كل منهما اختصاص عطائي غير كسبي حاصل للعين الثابتة من الفيض الأقدس وظهوره بالتدريج بحصول شرائطه وأسبابه يوهم المحجوب فيظن أنه كسبي بالتعمل ، فأول الولاية انتهاء السفر الأول الذي هو السفر من الخلق إلى الحلق بإزالة التعشق عن المظاهر والأغيار والخلاص من القيود والاستار ، والعبور على المنازل والمقامات والحصول على المراتب والدرجات ، وبمجرد حصول العلم اليقيني للشخص لا يلحق بأهل المقام لأنه إنما يتجلى الحق لمن انمحى رسمه وزال عنه اسمه ولما كانت المراتب متميزة قسم أرباب هذه الطريقة المقامات الكلية إلى علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين.
فعلم اليقين متصور الأمر على ما هو عليه.
وعين اليقين بشهوده كما هو.
وحق اليقين بالفناء في الحق والبقاء به علما وشهودا وحالا لا علما فقط ، ولا نهاية لكمال الولاية فمراتب الأولياء غير متناهية ، والطريق التوحيد وتزكية النفس عن الأخلاق الذميمة وتطهيرها من الأغراض الدنيئة ، فمن جاهد في طريق الحق فقد سعى في الخلق نفسه بزمرة الأولياء ومن اتبع الهوى فقد اجتهد في الالتحاق بفرقة الأعداء ، والسلوك الإرادة لأجل الفناء فإن المريد من يفني إرادته في إرادة الشيخ فمن عمل برأيه أمرا فهو ليس بمريد.
وفي "المثنوى" :
جزء : 4 رقم الصفحة : 60
مكسل از يغمبر ايام خويش
تكيه كم كن برفن وبركام خويش
62
كره شيرى ون روى رم بيدليل
همو روبه ودر ضلالي وذليل
هين مرالا كه بارهاى شيخ
تابه بيني عون ولشكرهاى شيخ
وينبغي للمؤمن أن يجتهد في تحصيل سير أولياء الله وأقل الأمر إن لا يقصر في حبهم فإن المرء مع من أحب أن يحشر معه فلا بد من الجهة الجامعة من وجه خاص.
جزء : 4 رقم الصفحة : 60
﴿ولا يحزنك قولهم﴾ هو في الحقيقة نهي له عليه السلام عن الحزن كأنه قيل لا تحزن بقولهم : ولا تبال بتكذيبهم وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك وسائر ما يتفوهون به في شأنك مما لا خير فيه ، وإنما وجه النهي إلى قولهم للمبالغة في نهيه عليه السلام عن الحزن لما أن النهي عن التأثير نهى عن التأثر بأصله.
قال الكواشي : يتم الوقف هنا ويختار الاستئناف بأن العزة كأنه قيل فما لي لا أحزن؟ فقيل : إن العزة أي : الغلبة والقهرجميعا أي : في مملكته وسلطانه لا يملك أحد شيئا منهما أصلا لا هم ولا غيرهم ويعصمك منهم وينصرك عليهم.
هو السميع العليم يسمع ما يقولون في حقك ، ويعلم ما يعزمون عليه وهو مكافئهم بذلك.
وفي التأويلات النجمية إن العزةجميعا في الدنيا والآخرة يعز من يشاء في الدنيا دون الآخرة ويعز من يشاء في الآخرة دون الدنيا ويعز في الدنيا والآخرة جميعا فلا يضره هواجس النفس ووساوس الشيطان في احتظاظه بشهوات الدنيا ونعيمها والتزين بزينتها ولا يمنعه نعيم الدنيا عن نعيم الآخرة كما قال تعالى : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق}(الأعراف : 32) فيكون من خواص عباده الذين آتاهم الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة بل يكون لبعضهم نعيم الدنيا معينا على تحصيل نعيم الآخرة كما جاء في الحديث الرباني : (وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فإن أفقرته يفسده ذلك).