تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتفظيعه بهول ما يتعلق به مما يصنع بهم يومئذ.

إن الله لذو فضل عظيم على الناس جميعا حيث أنعم عليهم بالعقل المميز بين الحق والباطل والحسن والقبيح ، ورحمهم بإنزال الكتب وإرسال الرسل.

ولكن أكثرهم لا يشكرون تلك النعمة الجليلة فلا يصرفون قواهم ومشاعرهم إلى ما خلقت له ، ولا يتبعون دليل العقل فيما يستبد به ولا دليل الشرع فيما لا يدرك إلا به.

جزء : 4 رقم الصفحة : 56

﴿وما﴾ نافية تكون يا محمد في شأن أي : في أمر والجمع شؤون من قولك شأنت شأنه قصدت قصده مصدر بمعنى المفعول ويكون الشأن بمعنى الحال أيضا يقال : ما شأن فلان بمعنى ما حاله وما تتلو منه الضمير للشأن والظرف صفة لمصدر محذوف ، أي تلاوة كائنة من الشأن لأن تلاوة القرآن معظم شأن الرسول.

من قرآن من مزيدة لتأكيد النفي وقرآن مفعول تتلو ولا تعملون (اي آدميان) من عمل من الأعمال تعميم للخطاب بعد تخصيصه بمن هو رأسهم ولذلك ذكر حيث خص ما فيه فخامة وذكر حيث عم ما يتناول الجليل والحقير.

قال ابن الشيخ الخطاب : وإن خص به عليه السلام أولا بحسب الظاهر إلا أن الأمة داخلون فيه لأن رئيس القوم إذا خوطب دخل قومه في ذلك الخطاب كما في قوله تعالى : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء}(الطلاق : 1) ﴿إلا كنا عليكم شهودا﴾ استثناء مفرغ من أعم أحوال المخاطبين بالأفعال الثلاثة ، أي : ما تلابسون بشيء منها في حال من الأحوال إلا حال كوننا رقباء مطلعين عليه حافظين له إذ تفيضون فيه ظرف لشهودا ؛ إذ تخلص المضارع لمعنى الماضي ، والإفاضة الدخول في العمل يقال : أفاض القوم في العمل إذا اندفعوا فيه أي : تخوضون وتندفعون فيه وما يعزب عن ربك أي : لا يبعد ولا يغيب عن علمه الشامل من مثقال ذرة من مزيدة لتأكيد النفي ، أي : ما يساوي في الثقل نملة صغيرة أو هباء.

في الأرض ولا في السماء أي : في دائرة الوجود والإمكان.

ولا لنفي الجنس أصغر اسمها من ذلك الذرة ولا أكبر إلا في كتاب مبين خبرها وهو اللوح المحفوظ ، فإذ كان كل شيء مكتوبا في اللوح فكيف يغيب عن علمه شيء وكيف يخفى عليه أمر فلا يظن أحد أنه لا يجازي على أقواله وأفعاله خيرا كانت أو شرا.

وفيه إشارة إلى طريق المراقبة وحث على المحافظة فإن المرء إذا علم يقينا اطلاع الله عليه في كل آن وحافظ على أوقاته سلم من الخلاف وعامل بالانصاف حكى عن عمر البناني رحمه الله قال : مررت براهب في مقبرة في كفه اليمنى حصى أبيض ، وفي كفه اليسرى حصى أسود فقلت : يا راهب ما تصنع ههنا؟ قال : إذا فقدت قلبي أتيت المقابر فاعتبرت بمن فيها فقلت ما هذا الحصى الذي في كفك؟ فقال : أما الحصى الأبيض إذا عملت حسنة ألقيت واحدة منها في الأسود وإذا عملت سيئة ألقيت واحدة من هذا الأسود في الأبيض ، فإذا كان الليل فنظرت فإن فضلت الحسنات على السيئات أفطرت وقمت إلى وردي ، وإن فضلت السيئات على الحسنات لم آكل طعاما ولم أشرب شرابا في تلك الليلة هذه حالتي والسلام عليك.

جزء : 4 رقم الصفحة : 57

وعن بعض الكبار من علامة موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من المراقبات ، وترك الندم على ما فعلته من وجود الزلات ، لأن الحياة تقتضي الاحساس ، والعكس صفة الميت وكل معصية من الغفلة والنسيان ، فذاكر الحق سالم في الدنيا والآخرة حكى إن وليا اشتاق إلى رؤية حبيب

57

من أحباء الله فقيل له اذهب إلى القصبة الفلانية ففيها حبيبي فجاء إليها ورأى رجلا يذكر الله وأسدا فإذا تغافل يختطفه الأسد حتى يقطع قطعة لحم من أعضائه ، فلما قرب إليه وسأل عن حاله قال : أردت أن لا أتغافل عن ذكر الله فإذا وقعت الغفلة سلط على كلبا من كلاب الدنيا فأنا ألازمه مخافة أن يسلط كلبا من كلاب الآخرة علي للغفلة.

يقول الفقير في هذه القصة إشارات.

منها إن فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة وإن مقاساة شدائد طريق الحق في هذه النشأة أسهل من المؤاخذات الأخروية فعلى المرء ملازمة الطاعة والعبادة وإن كانت شاقة عليه.

وفي المثنوى :

اندرين ره مى تراش ومى خراش

تا دم آخر دمى فارغ مباش

ومنها أنه لا بد من المراقبة فإن عجز بنفسه عنها استعان عليها من خارج فإنه لا بد للنائم من محرك وموقظ إذ النوم طويل والنفس كسلى ، ولذا جعلوا من شرط الصحبة أن لا يصطحب إلا مع من فوقه.

وفي البستان :

زخود بهترىء جوى وفرصت شمار

كه باون خودى كم كنى روزكار

ومنها أن الأسد الذي سلطه الله عليه إنما سلطه في الحقيقة على نفسه ليفترسها فإن من لم يمت نفسه في هذه الدار سلطها الله عليه في دار البوار.

جزء : 4 رقم الصفحة : 57

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٤ · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٤ · ص ٢٩