﴿إن أوليآء الله﴾ أي : أحباء الله وأعداء نفوسهم فإن الولاية هي معرفة الله ومعرفة نفوسهم ، فمعرفة الله رؤيته بنظر المحبة ومعرفة النفس رؤيتها بنظر العداوة عند كشف غطاء أحوالها وأوصافها فإذا عرفتها حق المعرفة وعلمت أنها عدوةولك وعالجتها بالمعاندة والمكابدة أمنت مكرها وكيدها وما نظرت إليها بنظر الشفقة والرحمة كما في التأويلات النجمية.
قال : المولى أبو السعود رحمه الله الولي لغة القريب ، والمراد بأولياء خلص المؤمنين لقربهم الروحاني منه سبحانه انتهى ، لأنهم يتولونه تعالى بالطاعة أي : يتقربون إليه بطاعته والاستغراق في معرفته بحيث إذا رأوا رأوا دلائل قدرته ، وإن سمعوا سمعوا آياته وإن نطقوا نطقوا بالثناء عليه وإن تحركوا تحركوا في خدمته وإن اجتهدوا اجتهدوا في طاعته لا خوف عليهم في الدارين من لحوق مكروه ، والخوف إنما يكون من حدوث شيء من المكاره في المستقبل ولا هم يحزنون من فوات مطلوب والحزن إنما يكون من تحقق شيء مما كرهه في الماضي أو من فوات شيء أحبه فيه أي : لا يعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه يعتريهم لكنهم لا يخافون ولا يحزنون ولا أنه لا يعتريهم خوف وحزن بل يستمرون على النشاط والسرور كيف لا واستشعار الخوف والخشية استعظاما لجلال الله وهيبته واستقصارا للجد والسعي في إقامة حقوق العبودية من خصائص الخواص والمقربين.
ولذا قال : في الكواشي لا خوف عليهم ولا هم يحزنون في الآخرة وإلا فهم أشد خوفا وحزنا في الدنيا من غيرهم انتهى.
وإنما يعتريهم ذلك ، لأن مقصدهم ليس إلا طاعة الله ونيل رضوانه إنه المستتبع للكرامة والزلفى ، وذلك مما لا ريب في حصوله ولا احتمال لفواته بموجب الوعد بالنسبة إليه تعالى ، وأما ما عدا ذلك من الأمور الدنيوية المترددة بين الحصول والفوات ، فهي بمعزل من الانتظام في سلك مقصدهم وجودا وعدما حتى يخافوا من حصول ضارها أو يحزنوا
58
بفوات نافعها كما في الإرشاد.
والتحقيق أنهم لفنائهم في عين الهوية الأحدية لم يبق فيهم بقية ولا غاية ما وراء ما بلغوا حتى يخافوا ويحزنوا كما فينفائس المجالس لحضرة الهدائي قدس سره الذين آمنوا وكانوا يتقون استئناف مبنى على السؤال ومحل الموصول الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف كأنه قيل من أولئك وما سبب فوزهم بتلك الكرامة؟ فقيل هم الذين جمعوا بين الإيمان بكل ما جاء من عند الله والتقوى المفضيين إلى كل خير المنحيين عن كل شر.
جزء : 4 رقم الصفحة : 58
قال شيخنا العلامة أبقاه الله بالسلامة : وكانوا يتقون الله تعالى من صدور سيئات الأعمال والأخلاق في مرتبة الشريعة والطريقة ومن ظهور الغفلات والتلوينات في مرتبة المعرفة والحقيقة لأنهم يصلحون طبائعهم بالشريعة وأنفسهم بالطريقة وقلوبهم بالمعرفة وأرواحهم وأسرارهم بالحقيقة فلا جرم أنهم يتقون من جميع ما سوى الله انتهى.
يقول الفقير : يشير رضي الله عنه بذلك إلى أن المراد بالتقوى المرتبة الثالثة منها وهو تنزه الإنسان عن كل ما يشغل سره عن الحق والتبتل إليه بالكلية وهذه المرتبة جامعة لما تحتها من مرتبة التوقى عن الشرك التي يفيدها الإيمان أيضا ومرتبة التجنب عن كل ما يؤثم من فعل وترك ، وللأولياء في شأن التبتل والتنزه درجات متفاوتة ، حسب تفاوت درجات استعداداتهم ، أقصاها ما انتهى إليه همم الأنبياء عليهم السلام ، جمعوا بين رياستي النبوة والولاية ، وما عاقهم التعلق بعلم الأشباح عن العروج إلى عالم الأرواح ، ولم يصدهم الملابسة بمصالح الخلق عن الاستغراق في شؤون الحق ، لكمال استعداد نفوسهم الزكية المؤيدة بالقوة القدسية ومن هنا يعرف فضل رسول الله على عيسى عليه السلام ؛ إذ ليس عروجه إلى الرابعة ببديع بالنسبة إلى عروج رسولنا عليه السلام إلى العرش وما فوقه إذ كان تعلقه بهذه النشأة من جهة الأم فقط وتعلق رسول الله من جهة الأبوين ومع ذلك ما عاقه التعلق حتى انتهى في عروجه إلى ما انتهى من نهايات العنصريات وغايات الطبيعيات ، ودوام الاتصال بالأنوار العالية ممكن ، كما يحكى عن بعض المتألهين وإن لم يمكن فيجعل هذه الحالة ملكة له فيصير بدنه كقميص يلبسه تارة ويخلعه أخرى ألا ترى أن من قدر على النفقة فهو متى جاع فبيده الشبع يأكل ما شاء فقس عليه الرزق المعنوي والعروج إلى مبدأه بل هو أولى من ذلك لأنه مستغن عن آلة وسبب وليس بين الطالب والمطلوب مسافة ، وفي المثنوى :
اين دراز وكوتهى مر جسم راست
ه درازوكوته آنجاكه خداست
ون خدا مر جسم را تبديل كرد
رفتنش بى فرسخ وبى ميل كرد
فإذا عرفت أن أولياء الله تعالى هم المؤمنون المتقون بالتقوى الحقيقية ، فاعرف أيضا أنه قد جاء في الأولياء أوصاف أخر بعضها متقارب وبعضها باعتبار البداية ، وبعضها باعتبار النهاية إلى غير ذلك.
مما روى علي كرم الله وجهه هم صفر الوجوه من السهر عمش العيون من العبر خمص البطون من الطوى ، يبس الشفاه من الذوي.