تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال بعض القراء : قرأت القرآن على شيخ لي ثم رجعت لأقرأ ثانيا فانتهرني وقال : جعلت القراءة على عملا اذهب فاقرأ على غيري فانظر ماذا يأمرك وينهاك وماذا يفهمك كذا في الإحياء ونعم ما قيل :

نقد عمرش زفكرت معوج

خرج شد در رعايت مخرج

صرف كردش همه حيات سره

در قبراآت سبع وعشره

والمقصود من البيت أنه يلزم بعد تحصيل قدر ما يتحصل به تصحيح الحروف ورعاية المخرج صرف باقي العمر إلى الأهم وهو معرفة الله تعالى وهو متعلق القلب الذي هو أشرف من اللسان وسائر الأعضاء ومعرفة الله إنما تحصل غالبا بالذكر ، ثم بالفكر بانكشاف حقائق الأشياء وحقائق القرآن ، فكما أن الله تعالى أيد النبي عليه السلام بجبريل ، فكذا أيد الولي بالقرآن وهو جبريل ، وعلم الشريعة يبقى هنا لأن متعلقه على الفناء وإنما يذهب إلى الآخرة ثوابه بحسب العمل بالخلوص ، وأما علم الحقيقة فيذهب إلى الآخرة لأنه على البقاء وهو أزلي أبدي لا زوال له في كل موطن ومقام كما أفاده لي حضرة شيخي وسندي قدس الله نفسه الزاكية ونفعني وإياكم بعلومه النافعة.

جزء : 4 رقم الصفحة : 53

﴿مآ أنزل الله لكم من رزق﴾ ما استفهامية منصوبة المحل بانزل سادة مسد المفعلوين لأرأيتم جعل الرزق منزلا من السماء مع أن الأرزاق إنما تخرج من الأرض إما لأنه مقدر في السماء كما قال تعالى : وفي السماء رزقكم}(الذاريات : 22) ولا يخرج من الأرض إلا على حسب ما قدر فيها فصار بذلك كأنه منزل منها ، أو لأنه إنما يخرج من الأرض بأسباب متعلقة بالسماء كالمطر والشمس والقمر فإن المطر سبب الإنبات والشمس سبب النضج والقمر سبب اللون واللام للمنفعة فدلت على أن المراد منه ما حل.

﴿فجعلتم منه﴾ (الأنعام : 138) وقولهم ﴿ما فى بطون هاذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا﴾ (الأنعام : 139) وهي البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ﴿فقال لهم الله﴾ (اياخدا) أذن لكم في ذلك الجعل فأنتم فيه ممتثلون لأمره قائلون بالتحريم والتحليل بحكمه أم على الله تفترون في نسبة ذلك إليه.

وفي الكواشي هذه الآية من أبلغ الزواجر عن التجوز فيما يسأل عنه من الحكم ، وباعثة على الاحتياط فيه ومن لم يحتط في الحكم فهو مفتر انتهى.

قال علي كرم الله وجهه : من أفتى الناس بغير علم لعنته السماء والأرض.

وسألت بنت علي البلخي أباها عن القيء إذا خرج إلى الحلق ، فقال : يجب إعادة الوضوء فرأى رسول الله فقال : لا يا علي حتى يكون ملء الفم فقال : علمت أن الفتوى تعرض على رسول الله فآليت على نفسي أن لا أفتى أبدا.

وفي الآية إشارة إلى أنه لا يجوز للمرء أن يعتقد ويقول : إن الرزق المعنوي من الواردات الإلهية والشواهد الربانية حرام على أرباب النفوس وحلال على أصحاب القلوب ، وإن تحصيل هذه السعادات ونيل هذه الكرامات ليس من شأننا وإنما هو من شأن الأخيار الكبراء وخواص الأنبياء والأولياء ، فإن هذا افتراء على الله فإن الله تعالى ما خص قوما بالدعوة إلى الدرجات والمقامات العلية بل جعل الدعوة عامة لقوله : والله يدعو إلى دار السلام}(يونس : 25) وقوله : ﴿يدعوكم ليغفر لكم﴾ (إبراهيم : 10) فتحريمه هذا الرزق على نفسه من خساسة نفسه وركاكة عقله ودناءة همته وإلا فالله تعالى لم يسد عليه هذا الباب بل هو الفياض الوهاب.

قال الحافظ :

جزء : 4 رقم الصفحة : 56

عاشق كه شدكه يا بخالش نظر نكرد

اي خواجه درد نيست وكرنه طبيب هست

وقال :

طالب لعل وكهرنيست وكرنه خورشيد

همنان در عمل معدن وكانست كه بود

وفي "المثنوى" :

كر كران وكر شتابنده بود

عاقبت جو ينده يا بنده بود

وفي ()الحكم العطائية" وشرحها : من استغرب أن ينقذه الله من شهوته التي اعتقلته عن الخيرات ، وأن يخرجه من وجود غفلته التي شملته في جميع الحالات فقد استعجز القدرة الإلهية ومن استعجزها فقد كفر أو كاد ودليل ذلك أن الله تعالى يقول : ﴿وكان الله على كل شىء مقتدرا﴾ أبان سبحانه أن قدرته شاملة صالحة لكل شيء وهذا أمس الأشياء وإن أردت الاستعانة على تقوية رجائك في ذلك فانظر لحال من كان مثلي ثم انقذه الله وخصه بعنايته كإبراهيم بن أدهم ، وفضيل بن عياض وعبد الله بن المبارك وذي النون ومالك بن دينار وغيرهم من مجرمي البداية.

وما ظن الذين يفترون على الله الكذب ما استفهامية في محل الرفع على الابتداء وظن خبرها ومفعولاه محذوفان ، وزيادة الكذب مع إن الافتراء لا يكون إلا كذبا لإظهار كمال قبح ما افتعلوا وكونه كذبا في اعتقادهم أيضا يوم القيامة ظرف لنفس الظن أي : أي شيء ظنهم في ذلك اليوم يوم عرض الأفعال والأقوال والمجازاة عليها مثقالا بمثقال ، والمراد تهويله

56

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٤ · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٤ · ص ٢٨