ولو أن لكل نفس ظلمت اشركت صفة نفس ما في الأرض أي : في الدنيا من خزائنها وأموالها لافتدت به أي : جعلته فدية لها من العذاب وبذلته مقابلة نجاتها من افتداه بمعنى فداه أي : أعطى فداءه وأسروا أي : النفوس المدلول عليها بكل نفس وإيثار صيغة جمع المذكر لحمل لفظ النفس على الشخص أو لتغليب ذكور مدلوله على إناثه الندامة على ما فعلوا من الظلم لما رأوا العذاب والمعنى أخفوها ولم يظهروها عند معاينة العذاب عجزا عن النطق لكمال الحيرة ، كمن يذهب به ليصلب فإنه يبقى مبهوتا لا ينطق بكلمة.
وفي
52
الكواشي وأسروا الندامة أظهروها ، لأنه ليس بيوم تصبر.
قال : في التبيان الأسرار من الأضداد وقضي بينهم أي : أوقع القضاء والحكم بين الظالمين من المشركين وغيرهم من أصناف أهل الظلم بأن أظهر الحق سواء كان من حقوق الله ، أو من حقوق العباد من الباطل وعومل أهل كل منهما بما يليق به بالقسط بالعدل وهم أي : الظالمون لا يظلمون فيما فعل بهم من العذاب ، بل هو من مقتضيات ظلمهم ولوازمه الضرورية كذا في الإرشاد.
جزء : 4 رقم الصفحة : 52
وقال القاضي : ليس تكريرا لأن الأول قضاء بين الأنبياء ومكذبيهم ، والثاني مجازاة للمشركين على الشرك.
جزء : 4 رقم الصفحة : 52
﴿ألا﴾ قال الامام : كلمة (ألا) إنما تذكر لتنبيه الغافلين وأهل هذا العالم مشغولون بالنظر إلى الأسباب الظاهرة فيضيفون الأشياء إلى ملاكها الظاهرة المجازية فيقولون الدار لزيد والغلام لعمرو والسلطنة للخليفة والتصرف للوزير ونحو ذلك فكانوا مستغرقين في نوم الجهل والغفلة حيث يظنون صحة تلك الإضافات فلذلك نادى الحق هؤلاء النائمين بقوله ألا إنما في السموات والأرض لأنه قد ثبت أن جميع ما سواه تعالى ممكن لذاته وإن الممكن لذاته مستند إلى الواجب لذاته إما ابتداء أو بوساطة ، فثبت أن جميع ما سواه مملوك له تعالى يتصرف فيه كيفما يشاء إيجادا وإعداما وإثابة وعقابا وكلمة ما لتغلب غير العقلاء على العقلاء.
ألا إن وعد الله حق أي : ما وعده من الثواب والعقاب كائن لا خلف فيه فالوعد بمعنى الموعود والحق بمعنى الثابت والواقع ، ويجوز أن يكون بمعناه المصدري ، والحق بمعنى المطابق للواقع أي : وعده بما ذكر مطابق للواقع.
ولكن أكثرهم لقصور عقلهم واستيلاء الغفلة عليهم والفهم بالأفعال المحسوسة المعتادة.
لا يعلمون ذلك وإنما يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا فيقولون ما يقولون ويفعلون ما يفعلون.
مانده در تنكناى اين مجلس
غير دنياند يده ديده حس
شم دل كوكه ردها بدرد
جانب ملك آخرت نكرد
مرغ او در قفس زبون باشد
ه شنا سدكه باغ ون باشد
هو يحيي ويميت في الدنيا من غير دخل لأحد في ذلك وإليه ترجعون في الآخرة بالبعث والحشر.
وفي التأويلات النجمية هو يحيي من العدم بالإيجاد ويميت من الوجود بالإعدام وإليه ترجعون وجودا وعدما انتهى.
وفي الآية إشارة إلى أنه لا بد من الرجوع وإن كان اضطراريا ، ونعم ما قيل : إذا جاء الموت لا ينفع العلم كما لم ينفع آدم ، ولا الخلة كما لم تنفع إبراهيم ، ولا القربة كما لم تنفع موسى ، ولا الملك كما لم ينفع داود وسليمان وذا القرنين ، ولا المحبة كما لم تنفع محمدا ، ولا المال كما لم ينفع قارون ، ولا الجنود كما لم تنفع نمرود ، ولا الجمال كما لم ينفع يوسف.
قيل : في الموت ستمائة ألف وأربعة وعشرون ألف غم كل غم لو وضع على أهل الدنيا لماتوا منه ، وبعد الموت ثلاثمائة وستون هولا كل هول أشد من الموت فمن عرف هذا بطريق اليقين جاهد إلى أن يجد كل ذرة منه ألم الموت ، فحينئذ لا يبقى للألم حين الفوت مجال أصلا لأنه مات بالاختيار قبل الموت بالاضطرار ، ورجع إلى المولى بنفسه وفنى عن جملة القيود والإضافات ، وبقي ببقاء الله تعالى ، فهذا يقال : له موت النفس
53
وحياة القلب أحيانا الله تعالى وإياكم.
والموت بالاختيار حال الأحرار والموت بالاضطرار حال أهل الدناءة والأغيار والأول رجوع بوصال والثاني رجوع بفراق.
وفي المثنوى :
جزء : 4 رقم الصفحة : 53
اي برادر صبركن بردرد نيش
تارهى ازنيش نفس كبر خويش
هركه مرد اندرتن أو نفس كبر
مردرا فرمان برد خرشيدوابر
نى بكفتسن آن سراج امتان
اين جهان وآن جهان ون ضرتان
س وصال اين فراق آن بود
صحت اين تن سقام جان بود
سخت مى آيد فراق اين مقر
س فراق آن مقردان سخت تر
ون فراق آن نقش سخت آيدترا
تاز سخت آيد زنقاش جدا
جزء : 4 رقم الصفحة : 53
يا اأيها الناس} (آل عمران : 133) فانتبه فزعا وقال : هذا تنبيه من الله وموعظة فتاب إلى الله واشتغل بالطاعة.
ثم في عبارة ﴿جآءتكم﴾ إشارة إلى أن حضرة القرآن تحفة من الله تعالى جسيمة ، وهدية منه عظيمة وصلت إلينا فلم يبق إلا القبول وقبوله الائتمار بأوامره.
والانتهاء عن نواهيه.