﴿وإما نرينك﴾ أصله إن نرك وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط ، أي : أن نبصرنك بأن نظهر لك بعض الذي نعدهم من العذاب ونعجله في حياتك كما أراه ببدر والجواب محذوف لظهوره أي : فذاك هو المأمول وإنا عليهم مقتدرون.
أو نتوفينك قبل أن نريك فإلينا مرجعهم أي : رجوعهم رجوعا اضطراريا فنريكه في الآخرة وإنا منهم منتقمون وهو جواب نتوفينك لأن الرجوع إنما يكون في الآخرة بعد الموت فهو لا يصلح أن يكون جوابا للشرط وما عطف عليه ولأن قوله تعالى في حم الزخرف.
فأما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون}(الزخرف : 41 42)يدل على ما ذكرنا والقرآن يفسر بعضه بعضا هكذا لاح ببال الفقير أصلحه الله القدير ﴿ثم الله شهيد على ما يفعلون﴾ أي : مجاز على أفعالهم السيئة.
ذكر الشهادة وأراد نتيجتها ومقتضاها ولذلك رتبها على الرجوع بثم الدالة على التراخي ولو كان المراد من الشهادة نفسها لم يصح الترتيب المذكور لأنه تعالى شهيد على ما يفعلونه من التكذيب والمحاربة حال رجوعهم إليه تعالى وقبله.
وقال : في الكواشي ثم بمعنى الواو أو لترتيب الأخبار نحو زيد قائم ثم هو كريم وليس التأخير عجزا بل للإيذان بإنه تعالى قادر عليهم في كل آن.
ولكل أمة من الأمم الماضية رسول يبعث إليهم بشريعة خاصة مناسبة لأحوالهم ليدعوهم إلى الحق فإذا جاء رسولهم بالبينات فكذبوه قضى بينهم أي : بين كل أمة ورسولها بالقسط بالعدل وحكم بنجاة الرسول والمؤمنين به وهلاك المكذبين وهم لا يظلمون في ذلك القضاء المستوجب لتعذيبهم لأنه من نتائج أعمالهم.
يقول الفقير : إن قلت يرد على ظاهر الآية زمان الفترة فإنها بظاهرها ناطقة بأنه لم يهمل أمة قط ولم يبعث لأهل الفترة رسول كما يشهد عليه قوله تعالى : لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم}(يس : 6).
قلت : مساق الآية الكريمة على أن كل أمة قضى لها بالهلاك قد أنذروا أولا على لسان رسول من الرسل ولم يعذب أهل الفترة لأن العرب لم يرسل إليهم رسول بعد إسماعيل غير رسول الله عليهما الصلاة والسلام فعذب أعقابهم ببدر وغيره لتكذيبهم رسول الله كما دل عليه قوله تعالى : ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ (الإسراء : 15) وقد انتهت رسالة إسماعيل بموته كبقية الرسل لأن ثبوت الرسالة بعد الموت من خصائص نبينا عليه السلام كما في "إنسان العيون".
جزء : 4 رقم الصفحة : 50
وبهذا ظهر بطلان قول ابن الشيخ في حواشيه أن عموم الآية لا يقتضي إن يكون الرسول حاضرا مع كل واحدة منهم لأن تقدم الرسول على بعض منهم لا يمنع من كونه رسولا إلى ذلك البعض كما لا يمنع
50
تقدم رسولنا عليه السلام من كونه مبعوثا إلينا إلى آخر الأبد انتهى.
وأما كون أهل الفترة معذبين في الآخرة أم لا فقد سبق في أواخر سورة التوبة.
ثم الرسول يأتي بالوحي الظاهر والباطن ، ووارث الرسول يأتي بالوحي الباطن وهو الإلهام الإلهي وكل ما جاز وقوعه للأنبياء من المعجزات جاز للأولياء مثله من الكرامات ، والله تعالى لا يحكم بين العباد إلا بعد مجيء رسولهم بالظاهر والباطن ، فإن صدقوه قضى بينهم بالسعادة على قدر تصديقهم وإن كذبوه قضى بينهم بالشقاوة على قدر تكذيبهم.
هركسى ازهمت والاى خويش
سود دارد درخور كالاى خويش
فعليك بالصدق والتصديق في حق الأنبياء والأولياء واتباع ما جاؤوا به من الوحي والإلهام لتظفر بكل مرام.
جزء : 4 رقم الصفحة : 50
﴿ويقولون﴾ اسعباد واستهزاء (آورده اندكه بعد ازنزول واما نرينك الآية كفار مكة استعجال عذاب موعود نمودند اين آيت نازل شد).
متى هذا الوعد بالعذاب فليأتنا عجلة إن كنتم أي : أنت وأتباعك صادقين فإنه يأتينا.