وإن كذبوك وإن أصروا على تكذيبك بعد إلزام الحجة.
فقل لي عملي ولكم عملكم فتبرأ منهم فقد أعذرت ، أي : بالغت في العذر كقوله تعالى : فإن عصوك فقل إني بريىء والمعنى لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم حقا كان أو باطلا وتوحيد العمل المضاف إليهم باعتبار الاتحاد النوعي ولمراعاة كمال المقابلة أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون تأكيد لما أفاده لام الاختصاص من عدم تعدي جزاء العمل إلى غير عامله أي : لا تؤاخذون بعملي ولا أؤآخذ بعملكم ، وعمله صرف الاستعداد الفطري في استعمال العبودية لقبول فيض الربوبية وجزاؤه الجنة والوصلة ، وعملهم إفساد الاستعداد في استيفاء اللذات والشهوات النفسانية وإبطال القلب عن قبول الفيض الإلهي وجزاؤه النار والقطيعة ، وأيضا عمله التصديق والإقرار ، وعملهم التكذيب والانكار ، وكل بريء من صاحبه في الدنيا والآخرة لا يجتمعان أبدا ، لأنه لا يجتمع الضب والنون فإن الضب غذاؤه الهواء والنون غذاؤه الماء ولأحدهما وهو الضب القبض واليبوسة لأنه بري ومن طبع التراب ذلك ، وللآخر وهو النون البسط والرطوبة لأنه بحري ومن طبع الماء ذلك.
وفي المثنوى :
طوطيان خاص را قنديست رف
طوطيان عام ازين خود بسته طرف
كي شدد رويش صورت زان نكات
معنى است آن نى فعولن فاعلات
از خر عيسى دريغش نيست قند
ليك خر آمد بخلقت كه سند
بال بازان را سوى سلطان برد
بال زاغان را بكورستان برد
جزء : 4 رقم الصفحة : 46
﴿ومنهم﴾ أي : من المكذبين من أي : ناس يستمعون إليك عند قراءتك القرآن وتعليمك للشرائع بسمع الظاهر وفي سمع قلوبهم صمم من محبة الدنيا وشهواتها فإن حب الشيء يعمي ويصم عن غيره.
أفأنت تسمع الصم الهمزة الاستفهامية إنكارية والفاء
47
للعطف على مقدر والتقدير أيستمعون إليك فأنت تسمعهم أي : تقدر على إسماعهم وقد أصمهم الله بسوء أعمالهم والمنكر هو وقوع الإسماع لا الاستماع فإنه أمر محقق ولو كانوا لا يعقلون أي : ولو انضم إلى صممهم عدم تعلقهم ، لأن الأصم العاقل ربما تفرس إذا وصل إلى صماخه صوت ، وأما إذا اجتمع فقدان السمع والعقل جميعا فقد تم الأمر.
ومنهم من ينظر إليك بنظر الحس ويعائن دلائل نبوتك الواضحة وفي بصيرته عمي.
أفأنت تهدي العمي جمع الأعمى ، أي : عقيب ذلك أنت تهديهم ولو كانوا لا يبصرون أي : ولو انضم إلى عدم البصر عدم البصيرة فإن المقصود من الأبصار هو الاعتبار والاستبصار والعمدة في ذلك البصيرة ، ولذلك يحدس الأعمى المستبصر ويتفطن لما يدركه البصير الأحمق فحيث اجتمع فيهم الحمق والعمى فقد انسد عليهم باب الهدى فقد شبه الله المكذبين الذين أصروا على التكذيب بالأصم والأعمى من حيث أن شدة بغضهم وكمال نفرتهم عن رسول الله منعهم عن إدراك محاسن كلامه ومشاهدة دلائل نبوته ، كما يمنع الصمم في الأذن عن إدراك محاسن الكلام ، ويمنع العمى في العين عن مشاهدة محاسن الصورة ، وقرن عدم العقل بعدم السمع وبعدم البصر عدم الإدراك تفضيلا لحكم الباطن على الظاهر فلما بلغوا في معرض العقل إلى حيث لا يقبلون الفلاح ، والطبيب إذا رأى مريضا لا يقبل العلاج أعرض عنه ولا يستوحش من عدم قبوله للفلاح فقد وجب التبري منهم وعدم الانفعال من إصرارهم على التكذيب.
قال يونان وزير كسرى : خمسة أشياء ضائعة : المطر في الأرض السبخة ، والسراج المشتعل في ضوء الشمس ، والمرأة الحسنة الصورة عند الرجل الأعمى ، والطعام الطيب عند المريض ، والرجل العاقل عند من لا يعرف قدره.
جزء : 4 رقم الصفحة : 47
﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمان وفدا﴾ (مريم : 85) ﴿يتعارفون بينهم﴾
49
يعرف بعضهم بعضا كما كانوا يعرفون في الدنيا فكأنهم لم يتفارقوا بسبب الموت إلا مدة قليلة لا تؤثر في زوال ذلك التعارف أول ما خرجوا من القبور ، ثم ينقطع التعارف إذا عاينوا العذاب ويتبرأ بعضهم من بعضهم وهو حال أخرى مقدرة لأن التعارف بعد الحشر يكون قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله شهادة من الله على خسرانهم وتعجب منه ، أي : قد غبن المكذبون بالحساب والجزاء وما كانوا مهتدين في تجارتهم إذ باعوا الإيمان بالكفر ، والتصديق بالتكذيب ، فلم يكونوا على نفع وقد مضى الوقت.
ه خوش كفت باكودك آموزكار
كه كارى نكرديم وشد روز كار
جزء : 4 رقم الصفحة : 49