﴿وما يتبع﴾ (الرعد : 39) يعني الأصل الذي لا يقبل التغير وهو علمه القائم بذاته القديم ﴿لا ريب فيه﴾ خبر ثالث داخل في حكم الاستدراك أي : منتفيا عنه الريب.
يعني (از ظهور حجت ووضوح دلالت بمثابه ايست كه هركه درو ادنى تأملي كند زريب باز استد وداندكه بشبه در ومجال نيست).
من رب العالمين خبر آخر تقديره كائنا من رب العالمين فهو وحي نازل على رسول الله من عنده تعالى.
جزء : 4 رقم الصفحة : 44
﴿أم يقولون افترااه﴾ أم منقطعة مقدرة ببل والهمزة ، والمعنى بل أيقولون كفار مكة افتراه محمد والهمزة لإنكار الواقع واستبعاده وجوز الزمخشري أن تكون للتقرير لإلزام الحجة.
قل لهم إن كان الأمر كما تقولون : فائتوا أنتم على وجه الافتراء والأمر من باب التعجيز وإلقام الحجر.
بسورة مثله في البلاغة وحسن النظم وقوة المعنى فإنكم مثلي في العربية والفصاحة.
وادعوا من استطعتم دعاءه والاستعانة به ليعاونكم على إتيان مثله إن لم يف عقل الواحد والاثنين منكم في استخراج ما يعارض القرآن.
من دون الله متعلق بادعوا ، ودون جار مجرى أداة الاستثناء أي : ادعوا متجاوزين الله أي : سواه تعالى من استطعتم من خلقه فإنه لا يقدر عليه أحد إن كنتم صادقين في أني افتريته فإن ما افتراه أحد من المخلوقين يفتريه غيره لأنه فوق كل ذي علم عليم فإذا عرفتم عجزكم حال الاجتماع وحال الانفراد عن هذه المعارضة فحينئذ يظهر أن نظمه وتنزيله ليس إلا من قبل الله تعالى.
واعلم أن إعجاز القرآن ، أي : جعله الغير عاجزا كونه في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة ، بحيث يصرف الناس عن قدرة معارضته ، لا عن نفس المعارضة مع القدرة بأن عقد الله لسان البيان من بلغاء الزمان لطفا منه بنبيه وفضلا عليه كما توهمه البعض ، كذا في تفسير الفاتحة للمولى الفنارى.
بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه أي : سارعوا إلى تكذيب القرآن قبل فهمه فإن تكذيب الكلام قبل الإحاطة بمعانيه مسارعة إليه في أول وهلة ومعنى الاضطراب في بل ، ذمهم على التقليد وترك النظر كأنه قيل دع تحديهم والزامهم ، فإنهم لا يستأهلون الخطاب لأنهم مقلدون متهافتون في الأمر لا عن خبر وتعقل ولو كان لهم وقوف على ما في تضاعيف القرآن من شواهد الإعجاز لعلموا أنه ليس مما يمكن أن يكون له نظير يقدر عليه المخلوق ولما يأتهم تأويله عطف على الصلة أو حال من الموصول ، أي : لم يجئهم ما يأول إليه أمره ، والمعنى أن القرآن معجز من جهة النظم والمعنى ومن جهة الإخبار بالغيب وهم قد فاجأوا تكذيبه قبل أن يتدبروا نظمه
46
وينتظروا وقوع ما أخبر به من الأمور المستقبلة التي يظهر بعضها في الدنيا ويظهر بعضها في الآخرة ليستدلوا بذلك على صحة القرآن وصدق قول النبي عليه السلام ونفى إتيان التأويل بكلمة لما الدالة على التوقع بعد نفي الإحاطة بعلمه بكلمة لم لتأكيد الذم وتشديد التشنيع فإن الشناعة في تكذيب الشيء قبل علمه المتوقع إتيانه أفحش منها في تكذيبه قبل علمه مطلقا ، والمعنى أنه كان يجب عليهم أن يتوقفوا إلى زمان وقوع المتوقع فلم يفعلوا.
كذلك أي : مثل ذلك التكذيب الواقع من قومك.
كذب الذين من قبلهم أنبياءهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين فيه وعيد لهم بمثل ما عوقب به من قبلهم وإنما وصفهم بالظلم لأنهم وضعوا التكذيب في موضع التصديق فكان مآل أمرهم إلى ما أخبر به الكتب والأنبياء من العذاب والهلاك.
جزء : 4 رقم الصفحة : 46
﴿ومنهم﴾ أي : من المكذبين من يؤمن به من يصدق بالقرآن في نفسه ويعلم أنه حق ولكنه يعاند ومهم من لا يؤمن به في نفسه كما لا يؤمن به ظاهرا لفرط غباوته وقلة تدبره ، أو منهم من سيؤمن به ويتوب عن كفره لكونه مستعدا لقبول الإيمان ومنهم من لا يؤمن به فيما يستقبل بل يموت على كفره لعدم استعداده لقبوله وربك أعلم بالمفسدين بالمعاندين أو بالمصرين وإنما وصفهم بالإفساد لأنهم أفسدوا استعدادهم الفطري بالأعمال الفاسدة.