تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات﴾ أي : الثابت ربوبيته لا ما أشركتم معه ، فقولهفذلكم مبتدأ والجلالة صفته وربكم الحق خبره ويجوز أن يكون الجلالة خبره وربكم بدل منه والإشارة محمولة على التجوز لاستحالة تعلق الإحساس به تعالى.

فماذا يجوز أن يكون الكل اسما واحدا قد غلب فيه الاستفهام على اسم الإشارة وإن يكون موصولا بمعنى الذي ، أي : ما الذي بعد الحق أي : غيره بطريق الاستعارة أي : ليس غير التوحيد وعبادة الله تعالى إلا الضلال الذي لا يختاره أحد وهو عبادة الأصنام ، وإنما سميت ضلالا مع كونها من أعمال الخوارج باعتبار ابتنائها على ما هو ضلال من الاعتقاد والرأي.

فإني تصرفون استفهام إنكاري بمعنى إنكار الوقوع واستبعاده والتعجب أي : كيف تصرفون من التوحيد وعبادة الله إلى الإشراك وعبادة الأصنام الذي هو ضلال عن الطريق الواضح.

قال السعدي قدس سره :

ترسم نرسى بكعبه أي : أعرابي

كين ره كه توميروى بتركستانست

فقد نبه الله على ضلالهم على لسان رسوله عليه السلام وهو الهادي إلى طريق الحق والصواب والفارق بين أهل التصديق والارتياب.

قال الصائب :

اقف نميشوندكه كم كرده اند راه

تا رهروان برهنمايى نمى رسند

كذلك الكاف في محل النصب على أنه صفة مصدر محذوف والإشارة بذلك إلى المصدر المفهوم من الحق في قوله ربكم الحق أي : كما حقت الربوبيةتعالى حقت كلمة ربك حكمه وقضاؤه ، يعني (واجب شد عذاب إلهي) على الذين فسقوا أي : تمردوا في كفرهم وخرجوا عن حد الاستصلاح أنهم تعليل لحقية تلك الكلمة والأصل لأنهم لا

43

يؤمنون فالكفر أداهم إلى العذاب فإن كل نتيجة مبنية على المقدمات والأسباب.

والقمح لا ينبت من الزوان ولا يثمر الثمر أم غيلان.

جزء : 4 رقم الصفحة : 43

﴿قل هل من شركآااكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده﴾ بالفارسية (ابتدا كردن) ، أي : يخلق الخلق أولا ثم يعيده بعد الموت ولما كانوا مقرين بالبدء ومنكرين للإعادة عنادا ومكابرة أمر بأن يبين لهم من يفعل ذلك فقيل له : قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده أي : هو يفعلهما لا غير كائنا من كان فأني تؤفكون أي : كيف تصرفون وتقلبون عن قصد السبيل والاستفهام إنكاري قل هل من شركائكم من يهدي غيره إلى الحق ولو كان الهداية بوجه من الوجوه فإن أدنى مراتب العبودية هداية المعبود لعبدته إلى ما فيه صلاح أمرهم وهدى كما يستعمل بكلمة إلى لتدل على انتهاء ما قبلها إلى مدخولها كذلك يستعمل باللام التعليلة لتدل على أن الهداية لا تتوجه نحو ما دخل عليه اللام إلا لأجل أن تؤدي إليه ويترتب هو عليها كما هو شأن العلة والمعلل بها وقد جمع بين التعديتين في هذه الآية قل الله يهدي من يشاء للحق دون غيره بنصب الأدلة وإرسال الرسل وإنزال الكتب والتوفيق للنظر الصحيح والتدبر الصائب فإن العقول مضطربة والأفكار مختلطة وتعيين الحق صعب ولا يسلم من الغلط إلا الأقل من القليل فالاهتداء لإدراك الحقائق لا يكون إلا بإعانة الله وهدايته وإرشاده أفمن يهدي غيره إلى الحق هو الله تعالى أحق أن أي : بأن يتبع والمفضل عليه محذوف أي : ممن لا يهدي.

أم من لا يهدي بكسر الهاء وتشديد الدال أصله لا يهتدي وأدغم وكسر الهاء لالتقاء الساكنين أي : لا يهتدي في حال من الأحوال إلا أن يهدي إلا حال هدايته تعالى له إلى الاهتداء.

فإن قلت الأصنام جمادات لا تقبل الهداية فكيف يصح أن يقال : في حقها إلا أن يهدى؟ وأيضا كلمة من تستعمل في ذوي العقول دون الجمادات فلا يليق أن يقال : في حقها أم من لا يهدي.

قلت : هذا أي : انتفاء الاهتداء إلا أن يهدي حال إشراف شركائهم كالملائكة والمسيح وعزير عليهم السلام ، فهذا بيان لفساد مذهب من يتخذ العقلاء الذين يقبلون الهداية أربابا بعد ما بين فساد مذهب مطلق أهل الشرك من عبدة الأوثان وغيرها بقوله : قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق الآية فإنه لا شك أن المراد بالشركاء فيه ما يتناول الأصنام وغيرها.

جزء : 4 رقم الصفحة : 44

وقال : في التبيان الصنم لا ينفع ولا يضر ولا يقدر على شيء في نفسه إلا أن يهدى يعني يدخل ويخرج وينقل ويتصرف فيه والله تعالى جل عن ذلك ، وظاهر هذا الكلام يدل على أن الأصنام إن هديت اهتدت وليس كذلك ، لأنها حجارة لا تهتدي إلا أنهم لما اتخذوها آلهة عبر عنها كما يعبر عمن يعقل ويفعل فما لكم أي : أي : شيء لكم في اتخاذكم هؤلاء شركاءتعالى كيف تحكمون بما يقضي صريح العقل ببطلانه وهو إنكار لحكمهم الباطل حيث سووا بين من يحتاجون هم إليه وهو الله تعالى وبين من يحتاج هو إليهم وهو ما عبدوه من دون الله من الأصنام ولا مساواة بين القادر والعاجز جدا.

عجز وقدرت كه هر دو ضدانند

عقل كركويدت كه يكسانند

عجز بر خلق مى دراند وست

قادري بر كمال حضرت اوست

44

جزء : 4 رقم الصفحة : 44

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٤ · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٤ · ص ٢٢