فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم فإنه العالم بكنه الحال إن مخففة من إن واللام فارقة كنا عن عبادتكم لنا لغافلين والغفلة عبارة عن عدم الارتضاء وإلا فعدم شعور الملائكة بعبادتهم لهم غير ظاهر ، وهذا يقطع احتمال كون المراد بالشركاء الشياطين كما قيل فإن ارتضاءهم بإشراكهم مما لا ريب فيه وإن لم يكونوا مجبرين لهم على ذلك كذا في الإرشاد وهذا بالنسبة إلى كون المراد بالشركاء ذوي العلم وأما إن كان المراد الأصنام فمن أعظم أسباب الغفلة كونها جمادات لا حس لها ولا شعور ألبتة.
جزء : 4 رقم الصفحة : 40
﴿هنالك﴾ ظرف مكان ، أي : في ذلك المقام الدهش أو في ذلك الوقت على استعارة ظرف المكان للزمان.
تبلو من البلوى والاختبار.
في الفارسية (بيازمودن) أي : تختبر وتذوق كل نفس مؤمنة كانت أو كافرة سعيدة أو شقية ما أسلفت أي : قدمت من العمل فتعاين نفعه وضره وأما ما عملت من حالها من حين الموت والابتلاء بالعذاب في البرزخ فأمر مجمل.
وردوا الضمير للذين أشركوا على أنه معطوف على زيلنا وما عطف عليه وقوله تعالى : هنالك تبلو الخ اعتراض في أثناء المقرر لمضمونها إلى الله أي : جزائه وعقابه فإن الرجوع إلى ذاته تعالى مما لا يتصور موليهم ربهم الحق أي : المتحقق الصادق ربوبيته لا ما اتخذوه ربا باطلا.
جزء : 4 رقم الصفحة : 42
قال الشيخ في تفسيره : مولاهم الحق ، أي : الذي يتولى ويملك أمرهم حقيقة ولا يشكل بقوله : وإن الكافرين لا مولى لهم}(محمد : 11) لأن المعنى فيه المولى الناصر وفي الأول المالك ﴿أفرءيت من اتخذ إلاهه هوااه﴾ (الجاثية : 23) ﴿فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم﴾ (يونس : 29) فيما شاهد ﴿إن كنا عن عبادتكم لغافلين﴾ أي : كنا في غفلة عن ذوق عبادتكم إيانا وحظها ومشربها بل كان الحظ والمشرب والذوق لهواكم في استيفاء اللذات والشهوات والتمتعات الدنيوية والأخروية عند عبادتنا بلا شعور منا بخلاف عبادة الله فإن في عبادة الله رضاه وشعوره بها ومنه المدد والتوفيق وعليه الجزاء والثواب هنالك تبلو كل نفس ما أسفلت أي : في ذلك الحال تبتلى كل نفس ما قدمت من التعلقات بالأشياء والتمسكات بها وردوا إلى الله في الحكم والقرب والبعد واللذة والألم.
مولاهم الحق أي : متوليهم في ذلك هو الله أي : في إذاقة اللذات من القرب والألم من البعد لا غيره من الشركاء.
وضل عنهم ما كانوا يفترون أن للشركاء أثرا في القربة والشفاعة انتهى ما في التأويلات النجمية قل للمشركين احتجاجا على حقيقة التوحيد وبطلان الشرك من يرزقكم (كيست كه شمارا
42
روزى ميدهد) من السماء (از آسمانكه باران مى باراند) والأرض (واز زمين كه كياه مى روياند) أم من أم منقطعة لأنه لم يتقدمها همزة استفهام ولا همزة تسوية وتقدر هناببل وحده دون الهمزة بعدها كما في سائر المواضع ، لأنها وقع بعدها اسم استفهام صريح وهو من ، فلا حاجة إلى الهمزة وبل إضراب انتقال من الاستفهام الأول إلى استفهام آخر لا إضراب إبطال إذ ليس في القرآن ذلك.
والمعنى ، بالفارسية (آيا كيست كه) يملك السمع والأبصار أي : يستطيع خلقهما وتسويتهما على هذه الفطرة العجيبة أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتها وسرعة انفعالهما من أدنى شيء يصيبهما ، وكان علي رضي الله عنه يقول : سبحان من بصر بشحم ، وأسمع بعظم ، وأنطق بلحم.
ولما كانت حاجة الإنسان إلى السمع والبصر أكثر من حاجته إلى الكلام خلق الله له أذنين وعينين ولسانا واحدا ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي أي : من ينشىء الحيوان من النطفة ، والنطفة من الحيوان وكذا من يخرج الطائر من البيضة ويخرج البيضة من الطائر.
ومن يدبر الأمر أي : أمر جميع العالم علويا كان أو سفليا روحانيا أو جسمانيا.
فسيقولون بلا تأخير الله يفعل ما ذكر من الأفاعيل لا غيره إذ لا مجال للمكابرة لغاية وضوحه فقل عند ذلك تبكيتا لهم أفلا تتقون أي : أتعلمون ذلك فلا تتقون عقابه بإشراككم به الأصنام.
جزء : 4 رقم الصفحة : 42