يقول الفقير العبادة على وجه رؤية الله تعالى وشهوده والحضور معه لا تكون إلا بعد غيبوبة الغير عن القلب وارتفاع ملاحظته جدا فيأول المعنى إلى قولنا للذين أخلصوا أعمالهم عن الرياء وقلوبهم عن غير الله تعالى.
الحسنى أي : المثوبة الحسنى وهي في اللغة تأنيث الأحسن والعرب تطلق هذا اللفظ على الخصلة المرغوب فيها وزيادة أي : وما يزيد على تلك المثوبة تفضلا لقوله تعالى : ويزيدهم من فضله فالمثوبة ما أعطاه الله في مقابلة الأعمال ، والزيادة ما أعطاه الله لا في مقابلتها والكل فضل عندنا.
وقيل : الحسنى مثل حسناتهم ، والزيادة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وأكثر جمهور المحققين على أن الحسنى الجنة ، والزيادة اللقاء والنظر إلى وجه الله الكريم.
وفي الحديث : إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تعالى تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون : ألم تبيض وجو وهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال : فيكشف لهم الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ثم تلا هذه الآية للذين أحسنوا الحسنى وزيادة رواه مسلم والترمذي والنسائي.
فإن قيل : لم سمى الله الرؤية زيادة والجنة الحسنى ، والنظر إلى وجهه أكبر من الجنة والزيادة في الدنيا تكون أقل من رأس المال؟
قيل : المراد بالزيادة في الآية الزيادة الموعودة والموعودة الجنة فالزيادة ههنا ليست من جنس المزيد عليه وهي الجنة ودرجاتها فالزيادة من العزيز الأكبر أكبر وأعز كما أن الرضوان من الكريم الأجود أكبر وأجل.
وفي الخبر إن أهل الجنة إذا رأوا الحق نسوا نعيم الجنة وهذه الرؤية بعين الرأس وأما في الدنيا فبعين العين لغير نبينا كما سبق عند قوله تعالى : لا تدركه الأبصار الآية وإنما تحصل بارتفاع الموانع وهي حجب التعينات جسمانية أو روحانية.
قال الحافظ :
38
جمال يا ندارد نقاب ورده ولى
جزء : 4 رقم الصفحة : 38
غبار ره بنشان تا نظر توانى كرد
وذلك لأن الله تعالى ليس بمحجوب ؛ لأنه لو حجبه شيء لستره وهو ليس في جهة ولا مكان وإنما المحجوب أنت ولو أزال الحق الحجاب عنا وشاهدناه نسينا الكون وما فيه كما ينسى أهل الجنة نعيمها عند التجلي فكان يفوت آن التعبد الشرعي ولذا لا نشاهد الحق في دار الدنيا لأنها مقام التكليف ولا يرهق وجوههم أي : لا يغشاها.
وبالفارسية (وشيده نكر داند رويهاى بهشتيانرا) قتر غبرة فيها سواد والقتر أشد من الغبار.
ولا ذلة أي : أثر هوان وكسوف بال والغرض من نفي هاتين الصفتين نفي أسباب الخوف والحزن والذل عنهم ليعلم أن نعيمهم الذي ذكره الله خالص لا يشوبه شيء من المكروهات وأنه لا يتطرق إليهم ما إذا حصل يغير صفحة الوجه ويزيل ما فيها من النضارة والحسن.
والجملة مستأنفة لبيان أمنهم من المكاره أثر بيان فوزهم بالمطالب ، والثاني : وإن اقتضى الأول إلا أنه ذكر إذ كارا بما ينقذهم الله منه برحمته وتقديم المفعول على الفاعل للاهتمام ببيان أن المصون من الرهق أشرف أعضائهم أولئك (آن كروه محسنان) أصحاب الجنة هم فيها خالدون بلا زوال دائمون بلا انتقال.
وفي التأويلات النجمية : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة أي : للذين عاملوا الله على مشاهدته فإن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه الحسنى وهي شواهد الحق والنظر إليه وزيادة والزيادة ما زاد على النظر بالوصول إلى العلم الأزلي مجذوبا من أنانيته إلى هويته بإفناء الناسوتية في اللاهوتية ولا يرهق وجوههم قتر أي : لا يصيبهم غبار الحجاب ولا ذلة وجود يقتضي الأثنينية أولئك أصحاب الجنة جنة السير في الله هم فيها خالدون دائمون في السير بجذبات العناية.
والذين كسبوا السيئات أي : ارتكبوا الشرك والمعاصي وهو مبتدأ بتقدير المضاف خبره قوله تعالى : جزاء سيئة بمثلها والجزاء مصدر من المبنى للمفعول والباء في بمثلها متعلقة بجزاء ، والمعنى وجزاء الذين كسبوا السيئات أن يجازي سيئة واحدة بسيئة مثلها لا يزاد عليها كما يزاد في الحسنة.
قال : في الكشاف في هذا دليل على أن المراد بالزيادة الفضل ؛ لأنه دل بترك الزيادة على السيئة على عدله ودل ثمة بإثبات الزيادة على المثوبة على فضله انتهى.
جزء : 4 رقم الصفحة : 38