قال : في أنوار المشارق : يجوز ركوب البحر للرجال والنساء كذا قاله : الجمهور وكره ركوبه للنساء ؛ لأن الستر فيه لا يمكنهن غالبا ولا غض البصر من المتصرفين فيه ولا يؤمن انكشاف عوراتهن في تصرفهن لا سيما فيما صغر من السفن مع ضرورتهن إلى قضاء الحاجة بحضرة الرجال انتهى.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يرفعه إلى النبي : لا تركب البحر إلا حاجا أو معتمرا أو غازيا في سبيل الله فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا قوله : فإن تحت البحر نارا ، إشارة إلى أن راكبه متعرض للآفات المهلكة كالنار.
وقوله : وتحت النار بحرا ، أراد به تهويل أمر البحر وخوف الهلاك منه كما يخاف من ملامسة النار وإن اختيار ذلك لغرض من الأغراض الفانية سفه وجهل ، لأن فيه تلف النفس ، وبذل النفس لا يجمل إلا فيما يقرب العبد إلى الله وهذا الحديث يدل على وجوب ركوب البحر للحج والجهاد إذا لم يجد طريقا آخر ومن ركب البحر وأصابه نصب ومشقة كدوران الرأس ، وغثيان المعدة وغير ذلك فله أجر شهيد إن كان يمشي إلى طاعة الله كالغزو والحج وطلب العلم
32
وزيارة الأقارب ، وأما التجار : فإن لم يكن طريق سوى البحر وكانوا يتجرون للقوت لا لجمع المال فهم داخلون في هذا الأجر.
والغريق له : أجر شهيدين.
أحدهما لقصد ما فيه طاعة.
وثانيهما للإغراق.
جزء : 4 رقم الصفحة : 32
وفي الحديث : حجة لمن لم يحج خير من عشر غزوات وغزوة لمن قد حج خير من عشر حجج وغزوة في البحر خير من عشر غزوات في البر ومن فاته الغزو معي فليغز في البحر.
يقول الفقير : وأما الصوم فعلى عكس ذلك والله أعلم لأن الصوم في البحر سهل حيث لا يشتهي الطبع الطعام ، لأجل الدوران والغثيان بخلافه في البر وقوة الأجر بكثرة التعب ، وكذا الغزو في البر سهل بالنسبة إلى البحر لسعة الأرض وإمكان التحفظ من العدو وقوة المزاج ولم يكن ذلك في البحر.
قيل لبحار ما أعجب ما رأيت من عجائب البحر قال : سلامتي منه ونعم ما قيل :
بدريادر منافع بى شمارست
اكر خواهى سلامت دركنارست
قال السعدي قدس سره :
سود دريانيك بودى كرنبودى بم موج
صحبت كل خوش بدى كرنيستى تشويش خار
لطيفة ركب نحوي سفينة فقال للملاح : أتعرف النحو؟ قال : لا قال : ذهب نصف عمرك فهاجت الريح واضطربت السفينة ، فقال الملاح أتعرف السباحة؟ قال : لا قال : ذهب كل عمرك.
وفي المثنوى :
محو مى بايد نه نحو اينجابدان
كرتو محوى بى خطر در آب ران
آب دريا مرده را برسر نهد
وربود زنده زدريا كى رهد
ون بمردى توز اوصاف بشر
بحر اسرارت نهد بر فرق سر
اي كه خلقان راتوخر مى خوانده
اين زمان ون خربرين يخ مانده
ومنها : أن البغي والفساد والتعصب والعناد وكفران نعمة رب العباد إنما هو من نسيان العهد مع الله ذي الأمداد ونتيجة النسيان والإصرار على الآثام المؤاخذة والانتقام.
وفي الحديث : ثنتان يعجلهما الله في الدنيا البغي وعقوق الوالدين وفي الحديث : لا تمكر ولا تغن ماكرا ولا تبغ ولا تعن باغيا ولا تنكث ولا تعن ناكثا فالبغاة من القضاة والولاة لا يجوز إعانتهم في أمر من الأمور إلا في إجراء الأحكام الشرعية فقد ورد من أعان ظالما سلطه الله عليه.
وفي الحديث : ما من عبد ولاه الله أمر رعيته فغشهم ، ولم ينصح لهم ولم يشفق عليهم إلا حرم الله عليه الجنة.
قال السعدي قدس سره :
رعيت وبيخند سلطان درخت
درخت اي سر باشد ازبيح سخت
مكن تاتوانى دل خلق ريش
وكر ميكنى ميكنى بيخ خويش
كر انصاف رسى بداختر كسست
كه در راحتش رنج ديكر كسست
نماند ستمكار بد روز كار
بماند بر ولعنت ايدار
ومنها : أن لكل عمل صورة حقيقية بها يظهر في النشأة الآخرة فإن كان خيرا فعلى صورة حسنة ، وإن كان شرا فعلى صورة قبيحة وهذه الصور المختلفة برزت في هذه النشأة على خلاف ما هي عليه في الآخرة ، ولذا استحسن العصاة المعاصي واستحلوها وإن كانت سموما قاتلة ؛ واستكرهوا الطاعات ووجدوها مرة المذاق وإن كانت معاجين نافعة ، فالبغي برز في هذه الدار بصورة
33
مشتهاة عند البغاة لتمتعهم به من حيث أخذ المال والتشفي من الأعداء ونحو ذلك وسينبئهم الله بأعمالهم ، أي : يظهرها لهم على صورها الحقيقية فيرون أن الأمر على خلاف ما ظنوا.
جزء : 4 رقم الصفحة : 32
﴿إن الانسان ليطغى * أن رءاه استغنى﴾ (العلق : 6 7).
توانكرى كشدت سوى عجب ونخوت وناز
خوشست فقركه دارد هزار سوز ونياز
وقال بعضهم : (ون باران بنهال كل رسد لطافت وطراوت أو بيفزايد وون بخاربن كذرد حدت وشوكت او زيادت كند مال دنيا نيز ون بمصلح رسد صلاح او بيفزايد) (كما في الحديث نعم المال الصالح للرجل الصالح) (واكر بدست مفسد افتد مايه فساد وعناد اوروى بازدياد نهد) كما أن العلم النافع سيف قاطع لصاحبه في قتل الهوى والعلم الغير النافع سبب لقطع طريق صاحبه عن الحق فما أحسن الأول وما أقبح الثاني؟.