تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هو أي : الله تعالى الذي يسيركم من التسيير ، والتضعيف فيه للتعدية يقال : سار الرجل وسيرته أنا وهو بالفارسية (برفتن آوردن) والمعنى (مى راند وقد رت مى دهد در قطع مسافت شمارا) في البر على الأقدام وظهر الدواب من الخيل والبغال والحمير والإبل ، والبحر على السفن الكبيرة والصغيرة المعبر عنهما بالفارسية (كشتى وزورق) وفيه إشارة إلى أن المسير في الحقيقة هو الله تعالى لا الريح ، فإن الريح لا يتحرك بنفسه بل له محرك إلى أن ينتهي إلى المحرك الأول الذي لا محرك له ولا يتحرك هو في نفسه أيضا ، بل هو منزه عن ذلك وعما يضاهيه سبحانه وتعالى ومن عرف ذلك وقطع الاعتماد على الريح في استواء السفينة وسيرها تحقق بحقائق توحيد الأفعال وإلا بقي في الشرك الخفي.

قال السعدي قدس سره :

قضا كشتى آنجا كه خواهد برد

وكر ناخدا جامه برتن درد

وقال الحافظ قدس سره :

من از بيكانكان ديكر ننالم

كه بامن هره كرد آن آشناكرد

حتى إذا كنتم في الفلك غاية لقوله يسيركم في البحر.

فإن قيل : غاية الشيء تكون بعده والحال أن السير في البحر يكون بعد الكون في الفلك.

جزء : 4 رقم الصفحة : 29

قلنا ليس الغاية مجرد الكون في الفلك بل هي الكون في الفلك مع ما عطف عليه من قوله : وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها أفإن هذا المجموع بعد السير في البحر وجرين أي : الفلك لأنه جمع مكسر بمعنى السفن وتغييره تقديري بناء على أن ضمته كضمة أسد جمع أسد وضمة مفردة كضمة قفل بهم أي : بالذين فيها والالتفات في بهم للمبالغة في التقبيح والإنكار عليهم ، كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويحملهم على الإنكار والتقبيح.

بريح طيبة لينة الهبوب موافقة لمقصدهم ، وفرحوا بها بتلك الريح لطيبها وموافقتها جاءتها أي : تلقت الريح الطيبة واستولت عليها من طرف مخالف لها فإن الهبوب على وفقها لا يسمى مجيئا لريح أخرى عادة ، بل هو اشتداد للريح الأولى.

ريح عاصف يقال : عصفت الريح أي : اشتدت فهي ريح عاصف ، أي : شديدة الهبوب ولم يقل عاصفة لاختصاص الريح بالعصوف فلا حاجة إلى الفارق وجاءهم الموج وهو ما ارتفع من الماء من كل مكان أي : من أمكنة مجيء الموج عادة ولا بعد في مجيئه من جميع الجوانب أيضا ؛ إذ لا يجب أن يكون مجيئه من جهة هبوب الريح فقط بل قد يكون من غيرها بحسب أسباب تتفق وإليه مال الكاشفي حيث قال : يعني (از ب وراست ويش وس) وظنوا أنهم أحيط بهم أي : هلكوا فإن ذلك في الهلاك وأصله إحاطة العدو بالحي دعوا الله بدل من ظنوا بدل اشتمال لأن دعاءهم ملابس لظنهم الهلاك ملابسة الملزوم مخلصين له الدين

31

من غير أن يشركوا به شيئا من آلهتهم فإن إخلاص الدين والطاعة له تعالى عبارة عن ترك الشرك وهذا الإخلاص ليس مبنيا على الإيمان بل جار مجرى الإيمان الاضطراري.

وقيل : المراد بذلك الدعاء قولهم اهيا شرا هيا فإن تفسيره يا حي يا قيوم وهذان الاسمان من أوراد البحر كما سبق في تفسير آية الكرسي.

لئن انجيتنا اللام موطئة للقسم على إرادة القول ، أي : دعوا حال كونهم قائلين ، والله لئن انجيتنا من هذه الورطة لنكونن ألبتة بعد ذلك أبدا من الشاكرين لنعمك التي من جملتها هذه النعمة المسئولة وهي نعمة الإنجاء وذلك باتباع أوامرك والاجتناب عن مساخطك لا نكفر نعمتك بعبادة غيرك.

جزء : 4 رقم الصفحة : 29

﴿فلمآ أنجااهم﴾ مما غشيهم من الكربة إجابة لدعائهم والفاء للدلالة على سرعة الإجابة.

إذا هم يبغون في الأرض أي : فاجأوا الفساد فيها وسارعوا إلى ما كانوا عليه من التكذيب والشرك والجراءة على الله تعالى وزيادة في الأرض ، للدلالة على شمول بغيهم لأقطارهم.

بغير الحق أي : حال كونهم ملتبسين بغير الحق.

قال الكاشفي : (تأكيد ست يعني فساد ايشان بغير حق است هم باعتقاد ايشان ه ميدانندكه دران عمل مبطلند) فيكون كما في قوله تعالى : ﴿ويقتلون النبيان بغير الحق﴾ (البقرة : 61) وقد سبق في سورة البقرة يا اأيها الناس} إنما بغيكم الذي تتعاطونه وهو مبتدأ خبره قوله تعالى : على أنفسكم أي : وباله راجع عليكم وجزاؤه لا حق بكم لا على الذين تبغون عليهم وإن ظن كذلك متاع الحيوة الدنيا نصب على أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر بطريق الاستئناف ، أي : تتمتعون متاع الحياة الدنيا أياما قلائل فتفنى الحياة وما يتبعها من اللذات وتبقى العقوبات على أصحاب السيئات.

هركه اوبد ميكند بى شبهه باخود ميكند

ثم إلينا مرجعكم في يوم القيامة لا إلى غيرنا فننبئكم بما كنتم تعملون في الدنيا على الاستمرار من البغي وهو وعيد بالجزاء كقول الرجل لمن يتوعده سأخبرك بما فعلت عبر عن إظهاره بالتنبئة لما بينهما من الملابسة في إنهما سببان للعلم.

وفي الآية الكريمة إشارات : منها أن الفلك نعمة من الله تعالى ؛ إذ قد يحتاج الناس إلى عبور البحر به ولذا امتن الله عليهم بالتسيير في البحر

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٤ · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٤ · ص ١٥