ومن لا يرى الأمطار إلا من الأنواء كان كافرا ، بخلاف من يرى أنها بخلق الله والأنواء وسائط وأمارات بجعله تعالى كما قال : في الروضة المؤثر هو الله تعالى والكواكب أسباب عادية.
قال الحافظ :
كررنج يشت آيد وكرراحت اي حكيم
نسبت مكن بغير كه اينها خدا كند
قل الله أسرع مكرا أي : أعجل عقوبة ، أي : عقابه أسرع وصولا إليكم مما يأتي منكم في دفع الحق وتسمية العقوبة بالمكر لوقوعها في مقابلة مكرهم وجودا ، فيكون من باب تسمية الشيء باسم سببه ، أو ذكرا فيكون من باب المشاكلة روى عن مقاتل أنه تعالى قتلهم يوم بدر
29
وجازى مكرهم في آياته بعقاب ذلك اليوم ، فكان أسرع في إهلاكهم من كيدهم في إهلاكه عليه السلام وإبطال آياته.
والمكر إخفاء الكيد وإرادة الله خفية عليهم وإرادتهم ظاهرة
توكل على الرحمن واحتمل الردى
ولا تخش مما قد يكيد بك العدى
إن رسلنا الذين يحفظون أعمالكم وهم الكرام الكاتبون.
وفيه التفات إذ لو جرى على أسلوب قوله : قل الله لقيل إن رسله يكتبون ما تمكرون أي : مكركم أو ما تمكرونه وهو تحقيق للانتقام ، وتنبيه على أن ما دبروا إخفاءه لم يخف على الحفظة فضلا عن أن يخفى على الله وفيه تصريح بأن للكفار حفظة.
فإن قيل : فالذي يكتب عن يمينه أي : شيء يكتب ولم يكن لهم حسنة.
يقال : إن الذي عن شماله يكتب بإذن صاحبه ويكون شاهدا على ذلك وإن لم يكتب كما في البستان.
واختلفوا في عددهم فقال عبد الله بن المبارك : هم خمسة : اثنان بالنهار واثنان بالليل وواحد لا يفارقه ليلا ولا نهارا فثبت بهذا أن أفعال الناس وأقوالهم سواء كانوا مؤمنين أو كافرين مضبوطة مكتوبة للإلزام عليهم يوم القيامة وإن المكر والحيلة لا مدخل له في تخليص الإنسان من مكروه بل قد قالوا : إذا أدبر الأمر كان العطب في الحيلة فمن ظن نجاته في المكر كان كثعلب ظن نجاته في تحريك ذنبه وإنما المنجى هو القدم وهو ههنا العمل الصالح بعد الإيمان الكامل ، والعاقل يتدارك حاله قبل وقوع القضاء (علاج واقعه يش از وقوع بايدكرد).
قال زياد : وليس العاقل الذي يحتال للأمر إذا وقع فيه ولكن العاقل الذي يحتال للأمور حذرا أن يقع فيها.
قال السعدي قدس سره :
تويش ازعقوبت درعفو كوب
كه سودى نداردفغان زيروب
كنون كرد بايد عمل را حساب
نه روزى كه منشور كردد كتاب
والإشارة في الآية : وإذا أذقنا الناس رحمة أي : أذقناهم ذوق توبة أو إنابة أو صدق طلب أو وصول إلى بعض المقامات أو ذوق كشف وشهود.
من بعد ضراء مستهم وهو الفسق والفجور والأخلاق الذميمة وحجب أوصاف البشرية وصفات الروحانية إذا لهم مكر في آياتنا بإظهارها مع غير أهلها للشرف بين الناس وطلب الجاه والقبول عند الخلق واستتباعهم والرياسة عليهم وجذب المنافع منهم.
قل الله أسرع مكرا أي : أسرع في إيصال مجازاة مكرهم إليهم باستدراجهم من تلك المقامات والمكرمات إلى دركات العبد وتراكم الحجب من حيث لا يعلمون إن رسلنا يكتبون ما تمكرون أي : غير خاف علينا قدر مراتب مكرهم فنجازيهم على حسب ما يمكرون كما في التأويلات النجمية.
جزء : 4 رقم الصفحة : 29
وقد رؤى من أهل هذه الطريقة كثير ممن مشى على الماء والهواء وطويت له الأرض ثم رد إلى حاله الأولى وقد يمشى المستدرج على الماء والهواء وتزوى له الأرض وليس عند الله بمكان لأنه ليست عنده هذه المراتب نتائج مقامات محمودة وإنما هي نتائج مقامات مذمومة قامت به إرادة الحق سبحانه أن يمكر به في ذلك الفعل الخارق للعادة وجعله فتنة عليه وتخيل أنه إنما أوصله إليها ذلك الفعل الذي هو معصية شرعا وإنه لولاه ما وقف على حقيقة ما اتفق له هذا وغفل المسكين عن موازنة نفسه بالشريعة.
نسأل الله تعالى أن لا يجعلنا ممن زين له سوء عمله فرآه حسنا فيستمر على ذلك الفعل كذا في مواقع النجوم.
قال الحافظ قدس سره :
30
زاهد ايمن مشواز بازىء غيرت زنهار
كه ره از صومعه تادير مغان اين همه نيست
وقل من تخلص من العقبات ، ألا ترى أن الواصل قليل بالنسبة إلى المنقطع ولا بد في قطعها من مرشد كامل ومؤدب حاذق.
وفي المثنوى :
درناه شيركم نايد كباب
روبها توسوى جيفه كم شتاب
ون كرفتى يرهن تسليم شو
همو موسى زير حكم خضررو