تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والإشارة ﴿إن صلاتى ونسكى﴾ أي سيري على منهاج الصلاة هو معراجي إلى الله تعالى وذبيحة نفسي ﴿ومحياى﴾ حياة قلبي وروحي.

﴿ومماتى﴾ ، أي : موت نفسي ﴿رب العالمين﴾ لطلب الحق والوصول إليه ﴿لا شريك له﴾ في الطلب من مطلوب سواه ﴿وبذالك أمرت﴾ أي ليس هذا الطلب والقصد إلى الله من نظري وعقلي وطبعي إنما هو من فضل الله ورحمته وهدايته وكمال عنايته إذ أوحى إلي وقال : ﴿وتبتل إليه تبتيلا﴾ (المزمل : 8) وقال : ﴿قل الله ثم ذرهم﴾ (الأنعام : 91) ﴿وأنا أول المسلمين﴾ يعني : أول من استسلم عند الإيجاد لأمر كن وعند قبول فيض المحبة لقوله : ﴿يحبهم ويحبونه﴾ (المائدة : 54) والاستسلام للمحبة في قوله يحبونه دل عليه قوله عليه السلام : "أول ما خلق الله نوري" كذا في "التأويلات النجمية".

جزء : 3 رقم الصفحة : 128

وفي الآية : حث على التوحيد والإخلاص وعلامتهما التبري من كل شيء سواه تعالى ظاهرا وباطنا ولو من نفسه والتحقق بحقائق المحبة الذاتية.

وعن مالك بن دينار قال : خرجت حاجا إلى بيت الله الحرام وإذا شاب يمشي في الطريق بلا زاد ولا راحلة فسلمت عليه فرد علي السلام فقلت : أيها الشاب من أين؟ قال : من عنده ، قلت : وإلى أين؟ قال : إليه ، قلت : وأين الزاد؟ قال : عليه قلت : إن الطريق لا يقطع إلا بالماء والزاد وهل معك شيء؟ قال : نعم قد تزودت عند خروجي بخمسة أحرف ، قلت : وما هذه الخمسة الأحرف قال قوله تعالى : ﴿كاهيعاص﴾ قلت : وما معنى كهيعص قال : أما قوله كاف فهو الكافي ، وأما الهاء فهو الهادي ، وأما الياء فهو المؤدي ، وأما العين فهو العالم ، وأما الصاد فهو الصادق ومن كان صاحبه كافيا وهاديا ومؤديا وعالما وصادقا لا يضيع ولا يخشى ولا يحتاج إلى حمل الزاد والماء ، قال مالك : فلما سمعت هذا الكلام نزعت قميصي على أن ألبسه إياه فأبى أن يقبله وقال : أيها الشيخ العري خير من قميص دار الفناء حلالها حساب وحرامها عقاب ، وكان إذا جن الليل يرفع وجهه نحو السماء ، ويقول : يا من تسره الطاعات ولا تضره المعاصي هب لي ما يسرك واغفر لي ما لا يضرك فلما أحرم الناس ولبوا

129

قلت : لم لا تلبي فقال يا شيخ أخشى أن أقول لبيك فيقول لا لبيك ولا سعديك لا أسمع كلامك ، ولا أنظر إليك ، ثم مضى فما رأيته إلا بمنى وهو يقول : اللهم إن الناس ذبحوا وتقربوا إليك بضحاياهم وهداياهم وليس لي شيء أتقرب به إليك سوى نفسي فتقبلها مني ، ثم شهق شهقة فخر ميتا ، وإذا قائل يقول هذا حبيب الله هذا قتيل الله قتل بسيف الله فجهزته وواريته ، وبت تلك الليلة متفكرا في أمره ونمت فرأيته في منامي فقلت ما فعل الله بك قال فعل بي كما فعل بشهداء بدر قتلوا بسيف الكفار وأنا قتلت بسيف الجبار.

جان كه نه قربانيء جانان بود

جيفه تن بهتر ازآنان بود

هركه نشد كشته شمشير دوست

لاشه مردار به ازجان اوست

نسأل الله الكريم أن يجعلنا على الصراط المستقيم.

﴿قل﴾ يا محمد لمن يقول من الكفار ارجع إلى ديننا.

﴿أغير الله أبغى﴾ أطلب حال كونه ﴿ربا﴾ آخر فأشركه في عبادته.

﴿وهو رب كل شىء﴾ أي : والحال أن ما سواه مربوب له مثلي ، فكيف يتصور أن يكون شريكا له في العبودية؟ ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها﴾ كانوا يقولون للمسلمين اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم إما بمعنى ليكتب علينا ما عملتم من الخطايا لا عليكم ، وإما بمعنى لنحمل يوم القيامة ما كتب عليكم من الخطايا فهذا رد له بالمعنى الأول ، أي : لا تكون جناية نفس من النفوس إلا عليها ومحال أن يكون صدورها عن شخص وقرارها على شخص آخر حتى يتأتى ما ذكرتم ، وقوله تعالى : ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ رد له بالمعنى الثاني ، أي : لا تحمل يومئذ نفس حاملة حمل نفس أخرى حتى يصح قولكم ولنحمل خطاياكم.

والوزر في اللغة : هو الثقل.

﴿ثم إلى ربكم مرجعكم﴾ أي : إلى مالك أمركم رجوعكم يوم القيامة.

﴿فينبئكم﴾ يومئذ.

﴿بما كنتم فيه تختلفون﴾ أي : يبين الرشد من الغي ويميز المحق من المبطل.

جزء : 3 رقم الصفحة : 128

وفي الآية أمور :

الأول : إن غاية المبتغى ونهاية المرام هو الله الملك العلام ، فمن وجده فقد وجد الكل ومن فقده فقد فقد الكل ، والعاقل العاشق لا يطلب غير الله ؛ لأنه الحبيب والمحب لا يتسلى بغير المحبوب.

قال الحافظ :

دردمرا طبيب نداند دواكه من

بى دوست خسته خاطر وبادرد خوشترم

والثاني : إن كل ما تكسب النفس من خير أو شر فهو عليها ، أما الشر فهي مأخوذة به ، وأما الخير فمطلوب منها صحة القصد ، والخلو من الرياء والعجب والافتخار به.

قال السعدي قدس سره :

ه قدر آورد بنده بدرديس

كه زير قبادارد اندام يس

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٩٩