والنفس أمارة بالسوء فلا تكسب إلا سواء والسوء عليها لا لها ، وهذا دأب النفس ما وكلت إلى نفسها إلا أن رحمها ربها كما قال : ﴿إن النفس لامارةا بالسواء إلا ما رحم ربى﴾ (يوسف : 53) ولهذا كان من دعائه عليه السلام : "رب لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا أقل من ذلك" وهي أي : النفس مأمورة بالسير إلى الله بقدم العبودية والأعمال الصالحة.
قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن الفضل : العجب ممن يقطع الأودية والمفاوز والقفار ليصل إلى بيته وحرمه ؛ لأن فيه آثار أنبيائه كيف لا يقطع بالله نفسه وهواه حتى يصل إلى قلبه فإن فيه آثار مولاه.
والثالث : إن كل نفس مؤاخذ بذنبه لا بذنب غيره.
130
فإن قلت قوله عليه السلام : "من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض ، أو شيء فليستحلل منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إلا إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته ، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه".
يدل على خلاف ذلك وكيف يجوز في حكم الله وعدله أن يضع سيئات من اكتسبها على من لم يكتسبها ، وتؤخذ حسنات من عملها فتعطى من لم يعملها؟.
فالجواب على ما قال الإمام القرطبي في "تذكرته" : إن هذا لمصلحة وحكمة لا نطلع عليها والله تعالى لم يبن أمور الدين على عقول العباد ولو كان كل ما لا تدركه العقول مردودا لكان أكثر الشرائع مستحيلا على موضوع عقول العباد انتهى.
يقول الفقير : إن الذنب ذنبان ذنب لازم وذنب متعد ، فالذنب اللازم : كشرب الخمر مثلا يؤخذ به صاحبه دون غيره فهذا الذنب له جهة واحدة فقط ، والذنب المتعدي : كقتل النفس مثلا فهذا وإن كان يؤخذ به صاحبه أيضا ، لكن له جهتان : جهة التجاوز عن حد الشرع ، وجهة وقوع الجناية على العبد : فحمل سيئاته وطرح حسناته عليه حمل سيئات نفسه في الحقيقة وما طرح حسنات غيره في نفس الأمر ولا ظلمة أصلا ، فالآية والحديث متحدان في المآل والله أعلم بحقيقة الحال.
جزء : 3 رقم الصفحة : 128
والرابع : كما أن الاختلاف واقع بين أهل الكفر والإيمان ، كذلك بين أهل الإخلاص والرياء والشرع ، وإن كان محكما يميز بين المحقق والمبطل إلا أن انكشاف حقيقة الحال وظهور باطن الأقوال والأفعال إنما يكون يوم تبلى السرائر وتبدى الضمائر.
وفي "المثنوي" :
ون كند جان بازكونه يوستين
جند واويلا برآيد زاهل دين
بردكان هر زرنما خندان شده است
زانكه سنك امتحان نهان شده است
قلت هلومي زند بازر بشب
انتظار روز مى دارد ذهب
باز زبان حال زر كويدكه باش
أي مزور تا برآيد روز فاش
وفي الحديث : "يخرج في آخر الزمان أقوام يجتلبون الدنيا بالدين" يعني : يأخذونها ويلبسون لباس جلود الضأن من اللين "ألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب فيقول الله تعالى أبي تقترفون أم علي تجترئون فبي حلفت لأبعثن على أولئك فتنة تدع الحليم فيها حيران" فعلى المؤمن أن يصحح الظاهر والباطن ويرفع الاختلاف فإن الحق واحد فماذا بعد الحق إلا الضلال.
وأما اختلاف الأئمة فرحمة لعامة الناس وليس ذلك من قبيل الاختلاف بحسب المراء والجدال بل بحسب اختلاف الأشخاص والأحوال فالحق أحق أن يتبع عصمنا الله وإياكم من الاختلاف المفسد للدين والجدل المزيل لأصل اليقين وجعلنا من أهل التوفيق للصواب إنه الكريم المفيض الوهاب.
﴿وهو﴾ أي : الله تعالى ﴿الذى جعلكم﴾ أيها الناس ﴿خلئفف الأرض﴾ من بعد بني الجان أو خلائف الأمم السابقة البشرية أو خلفاء الله في أرضه تتصرفون فيها.
والخلائف جمع الخليفة كالوصائف جمع الوصيفة وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفته لأنه يخلفه.
قال في "التأويلات النجمية" : هو جعل كل واحد من بني آدم آدم وقته وخليفة ربه في الأرض وسر الخلافة أنه صوره على صورة صفات نفسه حيا قيوما سميعا بصيرا عالما قادرا متكلما مريدا.
آدمي يست بررخ جامع
صورت خلق وحق در وواقع
131
متصل بادقائق جبروت
مشتمل بر حقائق ملكوت
﴿ورفع بعضكم﴾ في الشرف والغنى ﴿فوق بعض﴾ إلى ﴿درجات﴾ كثيرة متفاوتة ﴿ليبلوكم فى مآ ءاتاكم﴾ من المال والجاه ، أي ليعاملكم معاملة من يبتليكم ويمتحنكم لينظر ماذا تعملون من الشكر وضده حكي أن جنيدا كان يلعب مع الصبيان في صباوته فمر به السري السقطي فقال ما تقول في حق الشكر يا غلام؟ قال : الشكر أن لا تستعين بنعمه على معاصيه.
﴿إن ربك﴾ يا محمد ﴿سريع العقاب﴾ أي : عقابه سريع الإتيان لمن لم يراع حقوق ما آتاه الله ولم يشكره ، وإنما قال : سريع العقاب مع أنه موصوف بالحلم والإمهال لأن كل ما هو آت قريب.
قال الحافظ :
جزء : 3 رقم الصفحة : 128
بمهلتي كه سهرت دهد زراه مرو
تراكه كفت كه اين زال ترك دستان كرد