تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جزء : 3 رقم الصفحة : 122

فاعلم أنه كما أن للأعداد أربع مراتب آحاد وعشرات ومئات وألوف والواحد في مرتبة الآحاد واحد بعينه.

وفي مرتبة العشرات عشرة وفي مرتبة المئات مائة ، وفي مرتبة الألوف ألف فكذلك للإنسان مراتب أربع النفس والقلب والروح والسر فالعمل الواحد في مرتبة النفس أي إذا صدر منها يكون واحدا بعينه كما قال : ﴿وجزاؤا سيئة سيئة مثلها﴾ إذ هي في مرتبة الآحاد وفي مرتبة القلب يكون بعشر أمثالها لأنه بمرتبة العشرات ، وفي مرتبة الروح يكون بمائة لأنه بمرتبة المئات وفي مرتبة السر يكون بألف إلى أضعاف كثيرة بقدر صفاء السر وخلوص النية إلى ما لا يتناهى ؛ لأنه بمنزلة الألوف والله أعلم.

﴿وهم لا يظلمون﴾ المعنى : أن الله تعالى قد أحسن إليهم قبل أن يحسنوا بعشر حسنات شاملات للحسنات الكثيرة ، فلا يظلمهم بعد أن أحسنوا بل يضاعف حسناتهم ، يدل عليه قوله تعالى : ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرةا وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما﴾ (النساء : 40) كذا في "التأويلات النجمية".

جزء : 3 رقم الصفحة : 122

﴿قل﴾ يا محمد لكفار مكة الذين يدعون أنهم على الدين الحق وقد فارقوه بالكلية.

﴿إننى هداانى ربى﴾ أي : أرشدني بالوحي وبما نصب في الآفاق والأنفس من الآيات التكوينية.

﴿إلى صراط مستقيم﴾ موصل إلى الحق.

﴿دينا﴾ بدل من محل إلى صراط والمعنى هداني صراطا.

﴿قيما﴾ مصدر بمعنى القيام وصف به الدين مبالغة ، والقياس قوما كعوض فاعل لإعلال فعله كالقيام.

﴿ملة إبراهام﴾ عطف بيان لدينا والملة من أمللت الكتاب ، أي : أمليته وما شرعه الله لعباده يسمى ملة من حيث إنه يدون ويملى ويكتب ويتدارس بين من اتبعه من المؤمنين ويسمى دينا باعتبار طاعتهم لمن شرعه وسنه ، أي : جعله لهم سننا وطريقا.

﴿حنيفا﴾ حال من إبراهيم ، أي مائلا عن الأديان الباطلة ميلا لا رجوع فيه.

﴿وما كان من المشركين﴾ أي : ما كان إبراهيم منهم في أمر من أمور دينهم أصلا وفرعا ، وإنما أضاف هذا الدين إلى إبراهيم لأن إبراهيم كان معظما في عيون العرب ، وفي قلوب أهل سائر الأديان ؛ إذ أهل كل دين يزعمون أنهم ينتحلون إلى دين إبراهيم عليه السلام فرد الله تعالى بقوله : ﴿وما كان من المشركين﴾ على الذين يدعون أنهم على ملته عليه السلام عقدا وعملا من أهل مكة واليهود المشركين بقولهم : ﴿عزير ابن الله﴾ (التوبة : 30) والنصارى المشركين بقولهم : ﴿المسيح ابن الله﴾ (التوبة : 30) والمشرك في الحقيقة هو الذي يطلب مع الله تعالى شيئا آخر ومن الله غير الله.

قال السعدي قدس سره :

جزء : 3 رقم الصفحة : 128

خلاف طريقت بود كاوليا

تمنا كنند از خدا جز خدا

﴿قل﴾ أعيد الأمر لما أن المأمور به متعلق بفروع الشرائع وما سبق بأصولها ﴿إن صلاتى﴾ يعني الصلوات الخمس المفروضة ﴿ونسكى﴾ أي : عبادتي كلها.

وأصل النسك : كل ما تقربت به

128

إلى الله تعالى ومنه قولهم للعابد ناسك.

ويقال أراد بالصلاة صلاة العيد وبالنسك الأضحية وعن أنس رضي الله عنه عن رسول الله أنه قرب كبشا أملح أقرن فقال "لا إله إلا الله والله أكبر إن صلاتي ونسكي" إلى قوله تعالى : ﴿وأنا أول المسلمين﴾ ، ثم ذبح فقال : "شعره وصوفه فداء لشعري من النار وجلده فداء لجلدي من النار ، ودمه فداء لدمي من النار ، ولحمه فداء للحمي من النار وعظمه فداء لعظمي من النار وعروقه فداء لعروقي من النار" فقالوا يا رسول الله هنيئا مريئا هذا لك خاصة قال : "لا بل لأمتي عامة إلى أن تقوم الساعة.

أخبرني به جبريل عليه السلام عن ربي عز وجل".

﴿ومحياى ومماتى﴾ أي : وما أنا عليه في حياتي وأكون عليه عند موتي من الإيمان والطاعة فالتقدير ذا محياي وذا مماتي فجعل ما يأتي به في حياته وعند موته ذا حياته وذا موته كقولك ذا إنائك تريد الطعام فإضافته بأدنى ملابسة.

﴿رب العالمين﴾ .

﴿لا شريك له﴾ أي : خالصة له تعالى لا أشرك فيها غيره ﴿وبذالك﴾ الإخلاص ﴿أمرت﴾ لا بشيء غيره.

﴿وأنا أول المسلمين﴾ لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته ، وفيه بيان مسارعته عليه السلام إلى الامتثال بما أمر به وإن ما أمر به ليس من خصائصه عليه السلام بل الكل مأمورون به يقتدي به عليه السلام من أسلم منهم.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٩٨