تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي "تفسير الكاشفي" : (هركه بيايد دردنيا بنكويى) ﴿فله عشر أمثالها﴾ أي : فله عشر حسنات أمثالها فضلا من الله تعالى فالأمثال ليس مميزا للعشر ، بل مميزها هو الحسنات والأمثال صفة لمميزها ، ولذا لم يذكر التاء للعشر.

وقيل : إنما أنث عشر وإن كان مضافا إلى ما مفرده مذكر لإضافة الأمثال إلى مؤنث هو ضمير الحسنة كقوله تعالى : ﴿يلتقطه بعض السيارة﴾ (يوسف : 10) ﴿ومن جآء بالسيئة﴾ أي : بالأعمال السيئة كائنا من كان من العالمين.

﴿فلا يجزى إلا مثلها﴾ بحكم الوعد واحدة بواحدة.

فإن قيل : كفر ساعة يوجب عقاب الأبد على نهاية التغليظ فما وجه المماثلة.

وأجيب : بأن الكافر على عزم أنه لو عاش أبدا لبقي على ذلك الاعتقاد فلما كان العزم مؤبدا عوقب بعقاب الأبد بخلاف المسلم المذنب ، فإنه يكون على عزم الإقلاع عن ذلك الذنب فلا جرم كانت عقوبته منقطعة ﴿وهم لا يظلمون﴾ بنقص الثواب وزيادة العقاب.

قال الحدادي :

126

وإنما قال ذلك لأن التفضل بالنعم جائز والابتلاء بالعقاب لا يجوز انتهى.

واعلم أن الحسنات العشر أقل ما وعد من الأضعاف.

قال السعدي قدس سره :

نكو كارى از مردم نيك راى

يكى را بده مينويسد خداي

تونيز اي سر هر كرايك هنر

به بيني زده عيبش اندر كذر

وقد جاء الوعد بسبعين وسبعمائة وبغير حساب ، ولذلك قيل المراد بذكر العشر بيان الكثرة لا الحصر في العدد الخاص كما يقول القائل لئن أسديت إلي معروفا لأكافئنك بعشر أمثالها وحكمة التضعيف لئلا يفلس العبد إذا اجتمع الخصماء في طاعته فيدفع إليهم واحدة ويبقى له تسع فمظالم العباد توفى من التضعيفات لا من أصل حسناته ؛ لأن التضعيف فضل من الله تعالى وأصل الحسنة الواحدة عدل منه واحدة بواحدة وفي الحديث : "ويل لمن غلب آحاده على أعشاره" أي سيئاته على حسناته ، وفي الحديث : "الأعمال ستة موجبتان ، ومثل بمثل وحسنة بحسنة وحسنة بعشر وحسنة بسبعمائة فأما الموجبتان فهو من مات ولا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات وهو مشرك بالله دخل النار ، وأما مثل بمثل فمن عمل سيئة فجزاء سيئة مثلها ، وأما حسنة بحسنة فمن هم بحسنة حتى تشعر بها نفسه ويعلمها الله من قلبه كتبت له حسنة ، وأما حسنة بعشر فمن عمل حسنة فله عشر أمثالها وأما حسنة بسبعمائة فالنفقة في سبيل الله".

جزء : 3 رقم الصفحة : 122

كنون بركف دست نه هره هست

كه فردا بدندان كزى شت دست

قال في "أسئلة الحكم" : اعلم أن الشارع قد يرتب الثواب للعمل لئلا يترك ، بل يرغب فيه فلا يكون ذلك العمل أفضل من العمل المؤكد عليه الذي لم يترتب عليه ذلك الثواب ، فمن ذلك قوله عليه السلام : "من صلى الضحى اثنتي عشرة ركعة بنى الله له بيتا في الجنة من ذهب" مع أن السنة الراتبة لفرض الظهر أفضل من الضحى ومن ذلك قوله عليه السلام : "من صلى ست ركعات بين المغرب والعشاء كتب الله له عبادة اثنتي عشرة سنة" مع سنة المغرب أفضل من ذلك وإنما رتب الثواب على ذلك لكثرة الغفلة فيه وأمثال ذلك كثيرة في الأخبار ، فلا يفضل على الراتب المؤكد وإن لم يعين أجره غير الراتب من النوافل ، وإن رتب أجره ، وقد اتفق أهل العلم أنه لا يبلغ حد الفرض واجب وسنة راتبة أو غير راتبة في الأجر ، والفضيلة في علم أو حكم ولا يبلغ مرتبة الراتبة نفل من الأحكام وإن لم يتعين قدر أجرها ، فإن السنن شرعت لتتميم نقائض الفرائض والنوافل الغير الراتبة لتتميم نقائص السنن الراتبة ، فلا ينوب نفل مناب فرض يجب قضاؤه فقضاء فرض لا يسقط بالنوافل ، كما يزعم بعض العوام يترك الفرائض ، ويرغب في النوافل مما ورد كثرة الأجر عليه كالصلاة بعد المغرب يزعم سقوط الفرائض بها وتنوب مناب القضاء وذلك غير مشروع أصلا ، وترتيب أجور الأعمال والأذكار موقوف على الوحي والإلهام لا قدم فيه لتخمين العقول.

والإشارة في الآية إن الله تعالى من كمال إحسانه مع العبد أحسن إليه بعشر حسنات قبل أن يعمل العبد حسنة واحدة فقال تعالى : ﴿من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ يعني : قبل أن يجيء بحسنة أحسن إليه بعشر حسنات حتى يقدر أن يجيء بالحسنة وهي حسنة الإيجاد من العدم وحسنة الاستعداد بأن خلقه في أحسن تقويم مستعدا للإحسان ،

127

وحسنة التربية وحسنة الرزق وحسنة بعثة الرسل ، وحسنة إنزال الكتب ، وحسنة تبيين الحسنات والسيئات ، وحسنة التوفيق وحسنة الإخلاص في الإحسان وحسنة قبول الحسنات ، ﴿ومن جآء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها﴾ والسر فيه أن السيئة بذر يزرع في أرض النفس والنفس خبيثة ؛ لأنها أمارة بالسوء والحسنة بذر يزرع في أرض القلب والقلب طيب ؛ لأن بذكر الله تطمئن القلوب وقد قال تعالى : ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذى خبث لا يخرج إلا نكدا﴾ (الأعراف : 85) وأما ما جاء في القرآن والحديث من تفاوت الجزاء للحسنات.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٩٧