واعلم أن كل فعل شنيع وعمل قبيح في الدنيا يتصور بصورة قبيحة في الآخرة ، وهو قد كان بصورة قبيحة في الدنيا أيضا لكنه برز لفاعله في صورة مستحسنة امتحانا وابتلاء ، فصار كالشهد المختلط بالسم نعوذ بالله من سيئات الأعمال حفت الجنة بمكروهاتنا ، وحفت النيران بشهواتنا يعني جعلت الجنة محفوفة بالأشياء التي كانت مكروهة لنا وجعلت النار محاطة بالأشياء التي كانت محبوبة لنا ، يعني : أن نفوسنا تميل إلها وتحب أن تفعلها لكونها على وفق هواها فكما أن في الآفاق فرقا مختلفة ينفي بعضهم الصانع ، وبعضهم صفاته ، وبعضهم يعتقد في حقه تعالى ما لا يجوز اعتقاده وبعضهم يجري على ما جرى عليه الأنبياء والأولياء من حسن العقيدة وصالح العمل ، كذلك في الأنفس قوى مختلفة لا تتحد في البنية ولا تجتمع على أمر واحد ، فالطبيعة على التشهي والنفس على الهوى والروح على الإقبال إلى المولى ، والدين الحقيقي الذي فيه كمالية الإنسان إنما يوجد بتوافق الظاهر والباطن فمن فارقه بقلبه وتمسك ببعض شعاره وبظاهره رياء وسمعة فهو من فرق أهل الدعوى من غير المعنى.
جزء : 3 رقم الصفحة : 122
قال حضرة الشيخ الشهير بأفتاده أفندي : مخاطبا لحضرة الهدائي قدس الله أسرارهما أشكر الله على عدم اقترانك بالملاحدة ، فإن الإلحاد كمرض الجذام بعيد عن الإصلاح ، قال : وأظن أنهم لا يخرجون من النار لأنهم في دعوى المقال بدون الحال انتهى.
ومن المدعين القلندرية وهم الذين يقصون لحاهم وشعورهم بل يحلقون.
قلندرى نه بريشست وموى ويا برو
حساب راه قلندر بدانكه موى بموست
كذشتن ازسر مو درقلندرى سهلست
وحافظ آنكه زسر بكذرد قلندر اوست
ومن الفرق المبتدعة الجوالقية : وهم الذين يحلقون لحاهم ويلبسون الجوالق والكساء الغليظ وقد نهى النبي عليه السلام عن لباس الشهرة سواء كان من جنس الرقيق أو الغليظ لأنه اشتهار بذلك وامتيازه عن المسلمين وقد قال عليه السلام : "كن كواحد من الناس" ولا ينفع الجوالق والكساء إذا كان المرء صاحب الرياء.
قال السعدي قدس سره :
بروى ريا خرقه سهلست دوخت
كرش باخدا در توانى فروخت
كر آوازه خواهى در اقليم فاش
برون حله كن كودرون حشو باش
وقال :
درغزا كند مرد بايد بود
بر مخنث سلاح جنك ه سود
وكان الشيخ قطب الدين حيدر مجذوبا صاحب حال جدا حتى حكي أنه أخذ حديدا
125
حارا من كير حداد صار كقطعة نار وألقاه على عنقه ساعة فلم يحترق فأخذ الحيدرية بذلك ولبسوا الحديد تقليدا ولبس الحديد أكثر إثما من لبس الذهب.
فعلى العاقل أن يجتنب عن البدعة وأهلها وروي أن ابن المبارك رؤي في المنام فقيل له ما فعل ربك فقال : عاتبني وأوقفني ثلاثين سنة بسبب أني نظرت باللطف يوما إلى مبتدع ، فقال : إنك لم تعاد عدوي في الدين فكيف حال القاعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين.
واعلم : أن أهل الهوى والبدعة ليس مخصوصا بالبشر كما قال الأعمش تزوج إلينا جني ، فقلت له : ما أحب الطعام إليكم؟ فقال : الأرز فقال فائتنا به فجعلت أرى اللقم ترفع ولا أرى أحدا فقلت هل فيكم من هذه الأهواء التي فينا؟ قال : نعم قلت فما الرافضة فيكم قال شرنا.
والروافض : هم الذين رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لعدم تبريه من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، ولزم هذا اللقب كل من غلا في مذهبه واستجاز الطعن في الصحابة ، وأصله أن زيدا خرج بالكوفة داعيا لنفسه فبايعه جماعة من أهلها ، وأتاه طائفة من أهل الكوفة وقالوا تبرأ من أبي بكر وعمر نبايعك فأبى فقالوا إذا نرفضك فمن ذلك سموا الروافض ، وقالت طائفة من أهل الكوفة : نتولاهما ونتبرأ ممن تبرأ منهما وخرجوا مع زيد فسموا الزيدية.
وسبب بغضهم للأصحاب أنه لما وقعت الهزيمة في غزوة أحد ونادى الشيطان أن قد مات محمد اعتقده الأصحاب غير علي رضي الله عنه حتى وقع النزاع.
فقال كرم الله وجهه : هل أقتلكم لو لم يكن واقعا؟ قالوا : نعم فلما ظهر خلافه عفا عنهم فمن ثم أحبوا عليا وتركوا الباقي وأبغضوه.
جزء : 3 رقم الصفحة : 122
ون خدا خواهدكه رده كس درد
ميلش اندر طعنه اكان برد
فعلى العاقل أن يحب الصالحين حبا شديدا ، كي ينال منهم شفاعة يوم القيامة فويل لمن كان شفعاؤه خصماءه اللهم اعصمنا ولا تزغ قلوبنا واهدنا وسددنا فمنك التوفيق لسلوك طريق التحقيق.
﴿من جآء بالحسنة﴾ أي : من جاء يوم القيامة بالأعمال الحسنة من المؤمنين إذ لا حسنة بغير إيمان.
قال القاضي عياض : انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ، ولا تخفيف عذاب لكن بعضهم يكون أشد عذابا من بعض بحسب جرائمهم انتهى ، نعم إذا أسلموا يثابون على الخيرات المتقدمة لما ورد في الحديث "حسنات الكفار مقبولة بعد إسلامهم".