قال في "التأويلات النجمية" : ﴿مبارك﴾ عليك وبركته أنه أنزل على قلبك بجعل خلقك القرآن ومبارك على أمتك بأنه حيل بينهم وبين ربهم ليوصلهم إليه بالاعتصام.
﴿فاتبعوه﴾ واعملوا بما فيه ﴿واتقوا﴾ مخالفته ﴿لعلكم ترحمون﴾ بواسطة أتباعه والعمل بموجبه.
جزء : 3 رقم الصفحة : 121
﴿أن تقولوا﴾ على حذف المضاف كما هو رأي البصريين ، أي : أنزلناه كراهة أن تقولوا يا أهل مكة يوم القيامة لم تنزله ﴿إنمآ أنزل الكتاب﴾ أي : التوراة والإنجيل.
﴿على طآئفتين﴾ كائنتين ﴿من قبلنا﴾ وهما اليهود والنصارى ولعل الاختصاص في إنما اشتهار الكتابين يومئذ فيما بين الكتب السماوية.
﴿وأن﴾ مخففة أي وإنه.
﴿كنا عن دراستهم﴾ قراءتهم ولم يقل عن دراستهما لأن كل طائفة جماعة ﴿لغافلين﴾ لا ندري ما في كتابهم ؛ إذ لم يكن على لغتنا فلم نقدر على قراءته.
﴿أو تقولوا لو أنآ أنزل علينا الكتاب﴾ كما أنزل عليهم ﴿لكنآ أهدى منهم﴾ إلى الحق الذي هو المقصد الأقصى أو إلى ما في تضاعيفه من جلائل الأحكام والشرائع ودقائقها لحدة أذهاننا ونقابة أفهامنا ولذلك تلقفنا فنونا من العلم كالقصص والأشعار والخطب مع أنا أميون.
﴿فقد جآءكم﴾ متعلق بمحذوف معلل به أي لا تعتذروا بذلك القول فقد جاءكم ﴿بينة﴾ كائنة ﴿من ربكم﴾ أي : حجة واضحة ﴿وهدى ورحمة﴾ عبر عن القرآن بالبينة إيذانا بكمال تمكنهم من دراسته لأنه على لغتهم ثم بالهدى والرحمة.
﴿فمن أظلم﴾ أي : لا أحد أظلم ﴿ممن كذب بآيات الله﴾ أي : القرآن ﴿وصدف عنها﴾ أي : صرف الناس عنها فجمع بين الضلال والإضلال.
في "القاموس" : صدف عنه يصدف أعرض وفلانا صرفه.
﴿سنجزى الذين﴾ بالفارسي (زود باشدكه جزادهم آنراكه) ﴿يصدفون﴾ الناس.
﴿عن ءاياتنا﴾ وعيد لهم ببيان جزاء إضلالهم بحيث يفهم منه جزاء ضلالتهم أيضا.
﴿سواء العذاب﴾ أي : شدته ﴿بما كانوا يصدفون﴾ أي بسبب ما كانوا يفعلون الصدف والصرف على التجدد والاستمرار.
جزء : 3 رقم الصفحة : 121
فعلى العاقل أن يعمل بالقرآن ويرغب غيره بقدر الإمكان ؛ لأنه يكون شريكه في الثواب الفائض من الله الوهاب ، والمعرض عن القرآن الذي هو غذاء الأرواح ، كالمعرض عن شراب السكر الذي هو غذاء الأشباح ، وله ظاهر فسره العلماء وباطن حققه أهل التحقيق وكل
121
قد علم مشربه وفي الحديث : "أنزل القرآن على سبعة أحرف" أي : على سبع لغات وهي لغات العرب المشهورين بالفصاحة من قريش وهذيل وهوازن واليمن وطي وثقيف ، تسهيلا وتيسيرا ليقرأ كل طائفة بما يوافق لغتهم بشرط السماع من النبي عليه السلام ؛ إذ لو كلفوا القراءة بحرف واحد لشق عليهم إذ الفطام عن المألوف شاق أو على سبع قراءات ، وهي التي استفاضت عن النبي عليه السلام وضبطتها الأمة وأضافت كل حرف منها إلى من كان أكثر قراءة به من الصحابة ، ثم أضيفت كل قراءة منها إلى من اختارها من القراء السبعة وهم : نافع ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي.
ويقال إن جاحد القراءات السبع كافر وجاحد الباقي آثم مبتدع.
ولما تنزل القرآن العظيم من عالم الحقيقة كتب في جميع الألواح وفي لوح هذا التعين ، حتى في لوح وجودك وأودع القابلية في كل منها لقراءته ومعرفته ، والمقصود الأصلي هو العمل به والتخلف بأخلاقه دون تصحيح المخرج ورعاية ظاهر النظم فقط.
ونعم قول من قال :
نقد عمرش زفكرت معوج
خرج شد در رعايت مخرج
صرف كردش همه حيات سره
در قراآت سبعه وعشره
قال الحافظ :
عشقت رسد بفرياد كر خود بسان حافظ
قرآن زبر بخواني درازده روايت
وفي الحديث : "لو كان القرآن في إهاب ما مسته النار" قال القاضي البيضاوي ، أي : لو صور القرآن وجعل في إهاب وألقي في النار ما مسته ولا أحرقته ببركة القرآن ، فكيف بالمؤمن الحامل له المواظب على تلاوته.
وعن علي رضي الله عنه : "من قرأ القرآن وهو قائم في الصلاة كان له بكل حرف مائة حسنة ، ومن قرأ على غير وضوء فعشر حسنات" وروي عن بعض الأخيار من أهل التلاوة للقرآن الكريم أنه لما حضرته الوفاة كان كلما قالوا قل : ﴿لا إله إلا الله﴾ قال : ﴿طه * مآ أنزلنا عليك القرءان لتشقى﴾ (طه : 1 ، 2) إلى قوله : ﴿الله لا إله إلا هوا له الاسمآء الحسنى﴾ (طه : 8) فلم يزل يعيدها كلما أعادوا عليه حتى مات على هذه الآية الكريمة فظهر أن الموت على ما عاش عليه الشخص.
جزء : 3 رقم الصفحة : 121
وكان حرفة رجل بيع الحشيش وهو غافل عن الله فلما حضرته الوفاة كان كلما قيل له قل لا إله إلا الله ، قال : حزمة بفلس نسأل الله تعالى التوفيق للموت على الإسلام.
جزء : 3 رقم الصفحة : 121