تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿هل ينظرون﴾ هل استفهامية معناها النفي وينظرون بمعنى ينتظرون فإن النظر يستعمل في معنى الانتظار ، كأنه قيل إني أقمت على أهل مكة الحجة وأنزلت عليهم الكتاب فلم يؤمنوا فما ينتظرون.

﴿إلا أن تأتيهم الملائكة﴾ أي : ملك الموت وأعوانه لقبض أرواحهم.

﴿أو يأتى ربك﴾ أي : أمره بالعذاب والانتقام.

وقال البغوي : ﴿أو يأتى ربك﴾ بلا كيف لفضل القضاء بين موقف القيامة انتهى ، أو المراد بإتيان الرب إتيان كل آية يعني آيات القيامة والهلاك الكلي بقرينة قوله تعالى : ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم﴾ يعني : أشراط الساعة التي هي : الدخان ، ودابة الأرض ، وخسف بالمشرق ، وخسف بالمغرب ، وخسف بجزيرة العرب ، والدجال ، وطلوع الشمس من مغربها ، ويأجوج ومأجوج ، ونزول عيسى عليه السلام ، ونار تخرج من عدن وهم ما كانوا منتظرين لأحد هذه الأمور الثلاثة وهي مجيء الملائكة أو مجيء الرب أو مجيء الآيات القاهرة من الرب لكن لما كان يلحقهم لحوق المنتظرين شبهوا

122

بالمنتظرين.

﴿يوم يأتى بعض ءايات ربك﴾ ظرف لقوله : ﴿لا ينفع نفسا إيمانها﴾ كالمحتضر فإن معاينة أشراط الساعة بمنزلة نفسها ووقوع العيان يمنع قبول الإيمان لأنه إنما يقبل إذا كان بالغيب.

﴿لم تكن ءامنت من قبل﴾ صفة نفسا ، أي : من قبل إتيان بعض الآيات.

﴿أو كسبت فى إيمانها خيرا﴾ الآية تقتضي أن لا ينفع الإيمان بدون العمل الصالح ومذهب أهل السنة أنه نافع حيث إن صاحبه لا يخلد في النار.

جزء : 3 رقم الصفحة : 122

قال حضرة الشيخ الشهير بالهدائي الاسكداري في "الواقعات" : لاح لي في توفيق هذه الآية على مذهب أهل السنة وجهان : الأول : أن يكون قوله : ﴿أو كسبت﴾ معطوفا على آمنت المقدر لا على آمنت المذكور والتقدير لا ينفع نفسا إيمانها ، لم تكن آمنت من قبل سواء آمنت إيمانا مجردا أو كسبت في إيمانها خيرا ، والثاني : أن يعطف على آمنت المذكور ولكن يعتبر في اللف مقدر فيكون النشر أيضا على أسلوبه ، والتقدير لا ينفع نفسا إيمانها ولا كسبها خيرا لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا.

﴿قل انتظروا﴾ ما تنتظرونه من إتيان أحد الأمور الثلاثة لتروا أي شيء تنتظرون ﴿إنا منتظرون﴾ لذلك وحينئذ لنا الفوز ، وعليكم الوبال بما حل بكم من سوء العاقبة.

قال البغوي : المراد ببعض الآيات طلوع الشمس من مغربها وعليه أكثر المفسرين.

قال الحدادي في "تفسيره" : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا غربت الشمس رفع بها إلى السماء السابعة في سرعة طيران الملائكة ، وتحبس تحت العرش فتستأذن من أين تطلع أمن مطلعها أو من مغربها ، وكذا القمر فلا تزال كذلك حتى يأتي الله بالوقت الذي وقته لتوبة عباده ، وتكثر المعاصي في الأرض ، ويذهب المعروف فلا يأمر به أحد وينتشر المنكر فلا ينهى عنه أحد ، فإذا فعلوا ذلك حبست الشمس تحت العرش ، فإذا مضى مقدار ليلة سجدت واستأذنت ربها من أين تطلع ، فلم يجر لها جوابا حتى يوافيها القمر فيسجد معها ويستأذن من أين يطلع فلا يجر له جوابا ، فيحبسان مقدار ثلاث ليال فلا يعرف مقدار تلك الليلة إلا المتهجدون في الأرض وهم يومئذ عصابة قليلة في هوان من الناس ، فينام أحدهم تلك الليلة مثل ما ينام قبلها من الليالي ، ثم يقوم فيتهجد ورده فلا يصبح ، فينكر ذلك فيخرج وينظر إلى السماء فإذا هو بالليل مكانه والنجوم مستديرة ، فينكر ذلك ويظن فيه الظنون ، فيقول : أخففت قراءتي أم قصرت صلاتي ، أم قمت قبل حيني ، ثم يقوم فيعود إلى مصلاه فيصلي نحو صلاته في الليلة الثانية ، ثم ينظر فلا يرى الصبح فيشتد به الخوف فيجتمع المتهجدون من كل بلدة في تلك الليلة في مساجدهم ويجأرون إلى الله بالبكاء والتضرع فيرسل الله جبريل إلى الشمس والقمر ، فيقول لهما : إن الله يأمركما أن ترجعا إلى مغربكما فتطلعا منه فإنه لا ضوء لكما عندنا ولا نور فيبكيان عند ذلك وجلا من الله ، بكاء يسمعه أهل السموات السبع وأهل سرادقات العرش ، ثم يبكي من فيهما من الخلائق من خوف الموت والقيامة فبينما المتهجدون يبكون ويتضرعون والغافلون في غفلاتهم إذا بالشمس والقمر قد طلعا من المغرب أسودان لا ضوء للشمس ولا نور للقمر كصفتهما في كسوفهما ، فذلك قوله تعالى

جزء : 3 رقم الصفحة : 122

﴿وجمع الشمس والقمر﴾ (القيامة : 9) فيرتفعان كذلك مثل البعيرين ينازع كل واحد منهما صاحبه استباقا فيتصارخ أهل الدنيا حينئذ ويبكون ، فأما الصالحون فينفعهم بكاؤهم ويكتب لهم عبادة ، وأما الفاسقون : فلا ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب ذلك عليهم حسرة وندامة ،

123

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٩٤