تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جزء : 3 رقم الصفحة : 102

﴿ذالك﴾ أي : إرسال الرسل.

﴿ءان﴾ اللام مقدرة وهي مخففة ، أي : لأن الشأن ﴿لم يكن ربك مهلك القرى بظلم﴾ أي : بسبب ظلم منها ﴿وأهلها غافلون﴾ لم يرسل إليهم رسول يبين لهم.

قال البغوي : وذلك أن الله تعالى أجرى السنة أي لا يأخذ أحدا إلا بعد وجود الذنب وإنما يكون مذنبا إذا أمر فلم يأتمر ونهي فلم ينته ويكون ذلك بعد إنذار الرسل.

وفي "التفسير الفارسي" : (استئصال هي قوم نباشد الأبعد از تقدم وعيد واكرنه ايشانرا برحق حجت باشدكه لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك).

قال في "التأويلات النجمية" : الاستعداد الروحاني لا يفسد باستيفاء الحظ الحيواني في الطفولية إلا بعد أن يصير العبد مستعدا لقبول فيض العقل ، وفيض إلهام الحق عند البلوغ فيخالف الإلهام ، ويتبع الهوى فيسفد بذلك حسن الاستعداد لقبول الفيض الإلهي ، كقوله تعالى : ﴿ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾ (ص : 26) وهذا كما أنه تعالى لا يعذب قوما ما بلغتهم الدعوة حتى يبعث فيهم رسولا فيخالفونه فيعذبهم بها ، وقد عبر لسان الشرع عن هذا المعنى بأن لا يجري عليه قلم تكاليف الشريعة إلا بعد البلوغ بالأوامر والنواهي ؛ لأنه أوان ترقي الروح باستعمال المأمورات ونقصانه باستعمال المنهيات انتهى.

فعلى العاقل أن يتدارك حاله ويخاف من الخطاب القهري يوم القيامة.

كر بمحشر خطاب قهر كند

انبيارا ه جاى معذرتست

قال الحسن البصري رحمه الله : الناس في هذه الدنيا على خمسة أصناف : العلماء وهم ورثة الأنبياء ، والزهاد وهم الأدلاء ، والغزاة وهم أسياف الله ، والتجار وهم أمناء الله ، والملوك وهم رعاة الخلق فإذا أصبح العالم طامعا وللمال جامعا فبمن يقتدي ولذا قال من قال :

شيخ ون مائل بمال آيدمريد أو معاش

مائل دينار هر كز مالك ديدار نيست

وإذا أصبح الزاهد راغبا فبمن يستدل ويهتدي.

اززاهدان خشك رسائي طمع مدار

سيل ضعيف واصل دريا نميشود

وإذا أصبح الغازي مرائيا والمرائي لا عمل له فمن يظفر بالأعداء.

عبادت بالإخلاص نيت نكوست

وكرنه ه آيد زبى مغز وست

وإذا كان التاجر خائنا فمن يؤمن ويرتضى.

106

درين زمانه مكر جبرئيل امين باشد

جزء : 3 رقم الصفحة : 102

وإذا أصبح الملك ذئبا فمن يحفظ الغنم ويرعى

اشاهى كه طرح ظلم افكند

اي ديوار ملك خويش بكند

نكند جور يشه سلطاني

كه نيايد زكرك وباني

والله ما أهلك الناس إلا العلماء المداهنون ، والزهاد الراغبون والغزاة المراؤون والتجار الخائنون والملوك الظالمون.

﴿وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون﴾ (الشعراء : 227) ثم إن الأحكام الإلهية قد بلغت إلى كل إقليم وبلغ الشاهد الغائب إلى يومنا هذا من قديم وامتلاء الآذان من سماع الحق والكلام المطلق ، فلم يبق للسلطان ولا للوزير ولا لغيرهما من الوضيع والخطير عذر ينجيه من الهلاك ، وقهر مالك الأملاك والتنبيه مقدم لكل خامل ونبيه فهلاك القرى وأهلها وظهور الظلمات فرعها ، وأصلها إنما هو من غفلة الإنسان أيقظه الله الملك المنان فلا تلومن عند وجود التنزل إلا نفسك الأبية ، وظهور التسفل إلا طبيعتك الغبية فقد استبان البرهان والحجة ووضع لسالكيها المحجة ألم تسمع إلى قوله تعالى : ﴿فلله الحجة البالغة﴾ (الأنعام : 149) وأراك أنك ألقمت الحجر ولا تدري ما فعل بك بل تتمادى في تعبك وتتمرغ في غضبك ، فعالج نفسك أيها المريض قبل الحلول إلى الحضيض.

جزء : 3 رقم الصفحة : 102

﴿ولكل﴾ من المكلفين من الثقلين مؤمنين كانوا أو كفارا.

﴿درجات مما عملوا﴾ أي : مراتب كائنة من أعمالهم صالحة كانت ، أو مسيئة فلأهل الخير درجات في الجنة بعضها فوق بعض ، ولأهل الشرك دركات في النار بعضها أشد عذابا من بعض ، وفسروا الدرجات بالمراتب ؛ لأن الدرجات غلب استعمالها في الخير والثواب ، والكفار لا ثواب لهم ﴿وما ربك بغافل عما يعملون﴾ فيخفى عليه عمل من أعمالهم طاعة أو معصية والمقصود إن الله يجزي كل عامل بما عمل.

﴿وربك الغنى﴾ عن العباد والعبادة.

والغني : هو الذي لا يحتاج إلى شيء فيكون وجود كل شيء عنده وعدمه سواء وغيره تعالى لا يسمى غنيا إلا إذا لم يبق له حاجة إلا إلى الله تعالى ، فأصل الحاجة لا ينقطع عن غير الله ؛ لأنه في وجوده وغناه يحتاج إلى الغنى الحقيقي.

﴿ذو الرحمة﴾ يترحم عليهم بالتكليف تكميلا لهم ويمهلهم على المعاصي.

وفي "التأويلات النجمية" : يعني مع غناه عن الخلق له رحمة قد اقتضت إيجاد الخلق ليربحوا عليه لا ليربح عليهم.

قال في "المثنوي" :

ون خلقت الخلق كي يربح على

لطف توفر مود أي قيوم وحي

لا لأن أربح عليهم جود تست

كه شود زو جمله ناقصها درست

عفو كن اين بند كان تن رست

عفو از درياي عفو أولى ترست

عفو خلقان همو جو وهمو سيل

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٨٢