جوابه أن المراد بالعدل هنا ما يقابل بالفضل ، فالعدل أن يعامل كل أحد بفعله إن خيرا فخير وإن شرا فشر والفضل أن يعفو مثلا عن المسيىء ، وهذا على طريق أهل السنة بخلاف المعتزلة فإنهم يوجبون عقوبة المسيىء ويدعون أن ذلك هو العدل ومن ثمة سموا أنفسهم أهل العدل وإلى ما صار إليه أهل السنة يشير قوله تعالى : ﴿قال رب احكم بالحق﴾ (الأنبياء : 112) أي : لا تمهل الظالم ولا تتجاوز عنه ، بل عجل عقوبته لكن الله تعالى يمهل من يشاء ويتجاوز عمن يشاء ويعطي من يشاء لا يسأل عما يفعل كذا في "المقاصد الحسنة" للإمام السخاوي.
وفي "المثنوي" :
ونكه بدكردى بترس ايمن مباش
زانكه تخمست وبرو ياند خداش
ند كاهى اوبوشاند كه تا
آيد زان بد شيمان وحيا
بارها وشد ى اظهار فضل
باز كيرد از ي اظهار عدل
تاكه اين هردو صفت ظاهر سود
آن مبشر كردد اين منذر شود
104
واعلم : أن الظلم مطلقا مفسد للاستعداد الفطري الروحاني القابل للفيض الرباني ولذا لا ينجع في الظالم الكلام الحق وأكثر ما يكون من أرباب الرياسة للقدرة والغلبة وفي الحديث : "إن من أشراط الساعة إماتة الصلوات واتباع الشهوات وأن تكون الأمراء خونة والوزراء فسقة" فوثب سلمان فقال : بأبي وأمي أهذا كائن قال : "نعم يا سلمان عندها يذوب قلب المؤمن كما يذوب الملح في الماء ولا يستطيع أن يغير" قال أو يكون ذلك قال : "نعم يا سلمان إن أذل الناس يومئذ المؤمن يمشي بين أظهرهم بالمخافة إن تكلم أكلوه وإن سكت مات بغيظه" كذا في "روضة الأخبار" قال السعدي قدس سره :
خبر دارى از خسروان عجم
كه كردند بر زير دستان ستم
نه آن شوكت وادشاهى بماند
نه آن ظلم برروستايى بماند
مكن تاتوانى دل خلق ريش
وكر ميكنى ميكنى بيخ خويش
اللهم احفظنا من الظلم والفساد إنك حافظ العباد والبلاد.
يا معشر الجن والانس ألم يأتكم} أي : يقول الله تعالى يوم القيامة للثقلين جميعا ألم يأتكم في الدنيا ، أي كل فريق منكم ﴿رسل﴾ أي : رسول معين من الله تعالى ﴿منكم﴾ صفة لرسل أي كائنة منكم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 102
اعلم : أن الجن والإنس مكلفون بالاتفاق لكن الرسول إليهم يحتمل أن يكون من جنسهم كما كان جبريل ونحوه رسل الملائكة من جنسهم وخواص البشر رسل الإنس من أنفسهم لأن الجنس إلى الجنس أميل والاستفادة ، والاستئناس في الجنسية أظهر ويحتمل أن يكون من غير جنسهم بأن يكون من البشر ، وذلك لا يمنع الاستفادة لأنه يجوز أن يستفيد خواصهم من الرسل ويكونوا رسل الرسول إلى قومهم كاستفادة خواص البشر من خواص الملائكة وقد قام الإجماع على أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الثقلين ودعا كل واحد من الفريقين إلى الإيمان بالله واليوم الآخر ، وقد كان الأنبياء قبله يبعثون إلى قومهم خاصة وأما سليمان عليه السلام فإنه لم يبعث إلى الجن بالرسالة العامة بل بالملك والضبط والسياسة التامة فقوله تعالى : ﴿رسل منكم﴾ (الطلاق : 12) في كل أرض نبي مثل نبيكم وآدم كآدمكم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى وصححه صاحب "آكام المرجان" كيف وابن عباس رضي الله عنهما سلطان المفسرين بالاتفاق ولا معنى لقول السخاوي في "المقاصد الحسنة" أنه أخذه من الإسرائيليات وهذا كما قالوا : إن في كل سماء كعبة حيالها يطوفها أهلها ، وكذا في كل أرض ويناسب هذا ما قاله حضرة الشيخ الشيهر بأفتاده أفندي قدس سره خطابا لحضرة الهدائي الآن عوالم كثيرة يتكلم فيها محمود وافتداه كثير ، وإما محمول على المعنى الثاني وهو الذي ادعوا فيه الإجماع وفيه تفصيل شأن البشر فالرسل من الإنس خاصة لكن لما جمعوا مع الجن في الخطاب صح ذلك ، ونظيره ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ (الرحمن : 22) والمرجان يخرج من الملح دون العذب ، وقيل : الرسل يعم رسل الرسل وقد ثبت أن نفرا من الجن قد استمعوا
105
القرآن وأنذروا به قومهم هذا ما وفقني الله تعالى لترتيبه وتهذيبه في هذا الباب والله يقول الحق ويهدي إلى الصواب.
﴿يقصون عليكم ءاياتى﴾ أي : يقرؤون عليكم كتبي ﴿وينذرونكم لقآء يومكم هاذا﴾ يعني : يوم القيامة.
﴿قالوا﴾ جوابا عند ذلك التوبيخ الشديد.
﴿شهدنا على أنفسنا﴾ أن قد بلغنا وهو اعتراف منهم بالكفر واستحقاق العذاب وشهدنا إنشاء الشهادة ، مثل بعت واشتريت فلفظ الماضي لا يقتضي تقدم الشهادة.
﴿وغرتهم الحيواة الدنيا﴾ فلم يؤمنوا ﴿وشهدوا على أنفسهم﴾ في الآخرة.
﴿إنهم كانوا﴾ في الدنيا ﴿كافرين﴾ أي : بالآيات والنذر التي أتى بها الرسل وهو ذم لهم على سوء نظرهم وخطأ رأيهم فإنهم اغتروا بالحياة الدنيوية واللذات المخدجة ، وأعرضوا عن الآخرة بالكلية حتى كان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام للعذاب المخلد تحذيرا للسامعين من مثل حالهم.