قال في "التأويلات النجمية" : ﴿إلا ما شآء الله﴾ أن يتوب ويرجع إلى الله فلا تكون النار مثواه فالاستثناء راجع إلى أهل التوبة في الدنيا لا إلى أهل الخلود في النار انتهى.
وقال بعضهم : ما مصدرية بتقدير مضاف كما في آتيك خفوق النجم والاستثناء من مضمون الجملة التي قبله ، وهي قوله : ﴿النار مثوااكم خالدين فيهآ﴾ كأنه قيل يخلدون في عذاب النار الأبد كله إلا أوقات مشيئة الله تعالى أن ينقلوا من النار إلى الزمهرير فقد روي أنهم ينقلون من عذاب النار ويدخلون واديا فيه من الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض فيتعاوون ويطلبون الرد إلى الجحيم ففي الاستثناء تهكم بهم.
وفي "تفسير الجلالين" : ﴿إلا ما شآء الله﴾ من الأوقات التي يخرجون فيها لشوب من حميم فإنه خارجها ، كما قال الله : ﴿ثم إن مرجعهم لالى الجحيم﴾ وقيل : يفتح لهم وهم في النار باب إلى الجنة فيسرعون نحوه حتى إذا صاروا إليه سد عليهم الباب ، وقيل : ﴿إلا ما شآء الله﴾ قبل الدخول ، كأنه قيل : النار مثواكم أبدا إلا وقت إمهالكم إلى وقت الإدخال والخلود ، كما ينتقص من الآخر ، كذلك ينتقص من الأول هذا ما ذهب إليه علماء الظاهر في توجيه الاستثناء ، إلا أن حضرة الشيخ نجم الدين قدس سره قال في ذلك : حفظا لظاهر الشرع وللعلماء بالله تحقيق بديع في هذه المقام لا يتحمله عقول العوام ، ونحن نشير إلى نبذ من ذلك ونوصي بالستر إلا على السالك.
جزء : 3 رقم الصفحة : 102
قال المولى رمضان في "شرح العقائد" : اعلم أن أهل النار لم يقنطوا من الخلاص حتى إذا ذبح كبش الموت بين الجنة والنار ، ونودي أهلهما بالخلود أيس أهل النار من الخلاص فاعتدوا بالعذاب ولم يتألموا حتى آل أمرهم إلى أن يتلذذوا به ، حتى لو صب عليهم نسيم الجنة استنكروه وتعذبوا به ، كالجعل يستطيب الروث ويتألم من الورد انتهى كلامه ، وهذا معنى ما قال الشيخ الأكبر : والمسك الأذفر والكبريت الأحمر قدس سره الأطهر تبقى جهنم خالية وإن العذاب من العذب انتهى ، ولا يغرنك ظاهر هذا الكلام الأكبرى
103
فإن اتفاق العلماء من الطرفين على أن المخلد لا يخرج من النار ولا تبقى جهنم خالية من جسده.
قال حضرة شيخنا وسندنا الذي فضله الله تعالى على العالمين بما خصه من كمالات الدين : فكما إذا استقر أهل دار الجمال فيها يظهر عليهم أثر الجمال ويتذوقون دائما أبدا ، ويختفي منهم جلال الجمال ، وأثره بحيث لا يحسونه ولا يرونه ، ولا يتألمون به قطعا سرمدا ، فكذلك إذا استقر أهل دار الجلال فيها بعد مرور الأحقاب يظهر على بواطنهم أثر جمال الجلال ويتذوقون به أبدا ، ويختفي منهم أثر نار الجلال بحيث لا يحسونه ولا يرونه ولا يتألمون به سرمدا ، لكن كما عرفت ليس كذلك إلا بعد انقطاع إحراق النار بواطنهم وظواهرهم بعد مرور الأيام والأحقاب ، وكل منهم تحرقه النار خمسين ألف سنة من سني الآخرة لشرك يوم واحد من أيام الدنيا ، والظاهر عليهم بعد مرور الأحقاب هو الحال الذي يدوم عليهم أبدا ، وهو الحال الذي كانوا عليه في الأزل وما بينهما ابتلاءات رحمانية والابتلاء حادث قال تعالى : ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنةا وإلينا ترجعون﴾ (الأنبياء : 35) عصمنا الله وإياكم من دار البوار انتهى كلام الشيخ رضي الله عنه.
﴿إن ربك حكيم﴾ في أفعاله ومنها تخليد أولياء الشياطين في النار.
﴿عليم﴾ بأحوال الثقلين وأعمالهم وبما يليق بها من الجزاء.
﴿وكذالك﴾ أي : كما خذلنا عصاة الجن والإنس حتى استمتع بعضهم ببعض ﴿نولى بعض الظالمين بعضا﴾ أي : نسلط بعضم على البعض فنأخذ من الظالم بالظالم ﴿بما كانوا يكسبون﴾ بسبب ما كانوا مستمرين على كسبه من الكفر والمعاصي وجاء "من أعان ظالما سلطه الله عليه" وعن ابن عباس رضي الله عنهما "إذا أراد الله بقوم خيرا ولى أمرهم خيارهم وإذا أراد بقوم شرا ولى أمرهم شرارهم" وجاء في بعض الكتب الإلهية : إني أنا الله ملك الملوك قلوب الملوك بيدي فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلته عليه نقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسبب الملوك ولكن توبوا إلى أعطفهم عليكم ، وفي الحديث : "الظالم عدل الله في الأرض ينتقم به ثم ينتقم منه" وفي المرفوع "يقول الله عز وجل أنتقم ممن أبغض بمن أبغض ثم أصير كلا إلى النار" وفي الزبور : إني لأنتقم من المنافق بالمنافق ثم أنتقم من المنافقين جميعا.
جزء : 3 رقم الصفحة : 102
وقول القائل : كيف يجوز وصفه بالظلم وينسب إلى أنه عدل من الله تعالى؟