قال في "التأويلات النجمية" : كلما كان الحجاب أرق كان الإيمان أقوى والقلب أنور وأصفى إلى أن يصير الإيمان إيقانا لكمال رقة الحجاب وتنور القلب إلى أن يصير الإيقان عيانا عند رفع الحجاب وتجلي الحق بصفة جماله إلى أن يصير العيان عينا بتجلي صفة جلاله.
﴿ومن يرد أن يضله﴾ أي : يخلق فيه الضلال لصرف اختياره إليه ﴿يجعل صدره ضيقا﴾ بالفارسية (تنك) ﴿حرجا﴾ بحيث ينبو عن قبول الحق فلا يدخله الإيمان أي من أراد الله منه الكفر قوى صوارفه عن الإيمان
100
وقوى دواعيه إلى الكفر ، والحرج : بالفتح مصدر وصف به مبالغة وبالكسر اسم الفاعل وهو المتزايد في الضيق فهو أخص من الأول فكل حرج ضيق من غير عكس قيل الحرج موضع الشجر الملتف ، يعني : أن قلب الكافر لا يصل إليه الإيمان كما لا تصل الراعية إلى الموضع الذي التف فيه الشجر ﴿كأنما يصعد فى السمآء﴾ .
جزء : 3 رقم الصفحة : 100
قال الإمام : في كيفية هذا التشبيه وجهان : الأول : كما أن الإنسان إذا كلف الصعود إلى السماء نقل ذلك التكليف عليه عظم وقعه عليه وقويت نفرته منه فكذلك الكافر يثقل عليه الإيمان وتعظم نفرته منه ، والثاني : أن يكون التقدير إن قلبه يتباعد عن الإسلام ويتباعد عن قبول الإيمان فشبه ذلك البعد ببعد من يصعد من الأرض إلى السماء انتهى.
كما قال الكاشفي في "تفسيره الفارسي" (كويى بالا ميرود درآسمان يعني ميكريزد از قبول حق ميخواهدكه بآسمان رود).
واعلم : أن القلوب متفاوتة.
فمنها ما يشق عليه الإيمان وهي قلوب الكفرة.
ومنها ما يشق عليه الذوق والوجدان وهي قلوب أهل النقصان من أهل الإيمان فإن بعض الناس منهم من يتباعد عن الكلمات العرفانية بل ينكر أحوال أصحاب الفضائل النفسانية ، وهذا لأن من انهمك في الصفات الحيوانة وحكم عليه الصفات السبعية والشيطانية لا يسوغ له الشرب من المشارب الروحانية ، ولذا يوصى بكتم ما يتعلق بالأسرار عن الأغيار.
را صدف نكند اك سينه را صائب
درين زمانه كه جوهر شناس نايابست
﴿كذالك﴾ أي : مثل الجعل المذكور ﴿يجعل الله الرجس﴾ أي العذاب والخذلان أو اللعنة أو الشيطان أي يسلطه.
﴿على الذين لا يؤمنون﴾ أي عليهم فوضع الظاهر موضع المضمر للإشعار بأن جعله تعالى معلل بما في حيز الصلة من كمال نبوهم عن الإيمان وإصرارهم على الكفر والطغيان.
﴿وهاذآ﴾ أي : البيان الذي جاء به القرآن.
﴿صراط ربك﴾ أي : طريقه الذي ارتضاه حال كونه.
﴿مستقيما﴾ لمن يسلكه فلا يعوج به حتى يورده إلى الجنة.
﴿قد فصلنا الايات﴾ أي : ذكرناها فصلا فصلا بحيث لا يختلط واحد منها بالآخر.
﴿لقوم يذكرون﴾ أي : يتعظون وخصوا بالذكر لأنهم المنتفعون بتفصيل الآيات.
﴿لهم﴾ كأن سائلا يسأل عما أعد الله تعالى للمتذكرين بما في تضايعف الآيات فقيل لهم : ﴿دار السلام﴾ أي : السلامة من كل المكاره وهي الجنة.
﴿عند ربهم﴾ حال من دار السلام ، أي : نزله وضيافته كما تقول نحن اليوم عند فلان ، أي : في كرامته وضيافته.
وقيل العندية : كناية عن وعدها والتكفل بها.
﴿وهو وليهم﴾ أي : مولاهم ومحبهم أو ناصرهم على أعدائهم ﴿بما كانوا يفعلون﴾ أي : بسبب الأعمال الصالحة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 100
واعلم : أن الله تعالى بين حسن الإيمان وقبح الكفر وحال السعيد والشقي ، ورغب في طريق الأنبياء والأولياء وجعل العمل الصالح ، وهو ما أريد به وجه الله سببا لمحبة الله ودخول دار السلام ، وهي دار القرار التي يأمن من دخلها من العذاب مطلقا ، فالله تعالى ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور روي أن عمر بن الخطاب جهز جيشا إلى فتح بعض حصون ديار العجم أربعة آلاف فارس ، وأمر عليهم ابنه عبد الله رضي الله عنهما ، قال : فسرنا حتى حاصرنا قلعة على جبل عالل لا يصل إليه أسلحتنا فحاصرناها ، وكان فيها جيش
101