تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واعلم : أن النبوة اختصاص إلهي عطائي غير كسبي ، كالسلطنة فلا ينالها المجاهد وإن أتى بجميع الشرائط والأسباب وكذا الولاية لكنها كالوزارة فيجوز أن ينالها بعض المجاهدين فليس كل مجاهد واصلا وقد يكون الوصول بدون المجاهدة أيضا إذا كمل الاستعداد وسبقت العناية كما روي عن بعض شيوخ اليمن أنه خرج يوما من زبيد إلى نحو الساحل المعروف بالأهواز ، ومعه تلميذ له فمر في طريقه على قصب ذرة كبار ، فقال للتلميذ : خذ معك من هذا القصب ففعل المريد وتعجب في نفسه ، وقال ما مراد الشيخ بهذا ، ولم يقل له الشيخ شيئا حتى إذا بلغ إلى محلة لعبيد يقال لهم السناكم ، يأكلون الميتات ويشربون المسكرات ، ولا يعرفون الصلوات وإذا بهم يشربون ويلعبون ويلهون ويطربون ويغنون ويضربون ، فقال الشيخ للتلميذ : ائتني بهذا الشيخ الطويل الذي يضرب الطبل ، فأتاه التلميذ ، فقال له : أجب الشيخ فرمى الطبل من رقبته ومشى معه إلى الشيخ فلما وقف بين يديه ، قال الشيخ للتلميذ : اضربه فضربه حتى استوفى منه الحد ، ثم قال له الشيخ : امش قدامنا فمشى حتى بلغوا البحر فأمره الشيخ أن يغسل ثيابه ويغتسل وعلمه كيفية ذلك ، وكيفية الوضوء ففعل ثم علمه كيف يصلي وتقدم الشيخ فصلى بهما الظهر ، فلما فرغوا من الصلاة قام الشيخ ووضع سجادته على البحر ، وقال له تقدم فقام ووضع قدميه على السجادة ومشى على الماء حتى غاب عن العين فالتفت التلميذ إلى الشيخ ، وقال وامصيبتاه واحسرتاه لي معك كذا وكذا سنة ما حصل لي من هذا شيء.

وهذا في ساعة واحدة حصل له هذا المقام وهذه

99

الكرامات العظام فبكى الشيخ ، قال : يا ولدي وايش كنت أنا هذا فعل الله تعالى ، قيل لي فلان من الأبدال توفي فأقم فلانا مقامه فامتثلت الأمر كما يمتثل الخدام ، وودت أنه حصل لي هذا المقام فظهر أن الله تعالى أعلم حيث يجعل ولايته أيضا قال الحافظ :

ون حسن عاقبت نه برندى وزاهديست

آن به كه كارخود بعنايت رها كنند

والإشارة ﴿وكذالك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها﴾ أن القرية هي القالب.

وأكابر مجرميها ، أي : مفسدي حسن الاستعداد بقبول الشقاوة هي النفس والهوى والشيطان يمكرون فيها بمخالفات الشرع وموافقات الطبع.

﴿وما يمكرون إلا بأنفسهم﴾ لأن فساد استعدادهم عائد إلى أنفسهم بحصول الشقاوة وفوات السعادة.

﴿وما يشعرون﴾ ولا شعور لهم على ما يفعلون بأنفسهم وإن مرجعهم إلى النار.

﴿وإذا جآءتهم ءاية قالوا لن نؤمن﴾ أي : النفس والهوى والشيطان من دأبهم أن لا يؤمنوا برؤية الآيات إذ جبلوا على التمرد والإباء والإنكار ولسان حالهم يقول لن نؤمن.

﴿حتى نؤتى مثل مآ أوتى رسل الله﴾ أي : القلب والسر والروح لأنهم مهبط أسرار الحق وإلهاماته.

﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ يخص بها القلب والسر والروح ونفسا تطمئن بذكر الله فتستحق رسالة ارجعي إلى ربك.

﴿سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله﴾ يعني : أصحاب النفس الأمارة بالسوء لهم ذلة البعد من عند الله.

﴿وعذاب شديد﴾ وهو عذاب الفرقة والانقطاع ﴿بما كانوا يمكرون﴾ أي : بما أفسدوا استعداد الوصلة وهو جزاء مكرهم وكيدهم كذا في "التأويلات النجمية".

جزء : 3 رقم الصفحة : 95

﴿فمن يرد الله﴾ معناه بالفارسية (س هركرا خواهد خداى).

﴿أن يهديه﴾ أي : يعرفه طريق الحق ويوفقه للإيمان.

﴿يشرح صدره للاسلام﴾ فيتسع له وينفسح وهو كناية عن جعل النفس قابلة للحق مهيأة بحلوله فيها مصفاة عما يمنعه وينافيه ، فالمعنى : من أراد الله منه الإيمان قوى صوارفه عن الكفر ودواعيه إلى الإيمان وجعل قلبه قابلا لحلول الإيمان مهيئا لتحليه به صافيا خاليا عما ينافيه ويمنعه ولما نزلت هذه الآية سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر فقال : "نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح" فقالوا هل لذلك أمارة يعرف بها فقال : "نعم الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله".

واعلم أن العلم علمان : علم المعاملة ، وعلم المكاشفة ، فالأول : هو العلم بما يقرب إليه تعالى وما يبعد عنه وهو مقدم على الثاني ، الذي هو نور يظهر في القلب فيشاهد به الغيب لأنه الشرط له قال تعالى : ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ (العنكبوت : 69) ولا ينفك عنه لأن الحديث المذكور صرح بأن الإنابة والتجافي والاستعداد التي هي من علم المعاملة علامة ذلك النور وفي فضل المكاشفة ورد قوله عليه السلام : "فضل العالم على العابد كفضلي على أمتي" ؛ إذ غير المكاشفة تبع للعمل لثبوته شرطا له.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٧٧