تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما حكي أيضا عن الشيخ عبد الواحد بن زيد قال : قصدت بيت المقدس فضلت الطريق فإذا بامرأة أقبلت إلي ، فقلت لها : يا غريبة أنت ضالة؟ فقالت : كيف يكون غريبا من يعرفه وكيف يكون ضالا من يحبه؟ ثم قالت : خذ رأس عصاي وتقدم بين يدي فأخذت رأس عصاها وتقدمت بين يديها ست أقدام أو أقل أو أكثر ، فإذا أنا بمسجد بيت المقدس فدلكت عيني وقلت لعل هذا غلط مني ، فقالت : يا هذا سيرك سير الزاهدين وسيري سير العارفين فالزاهد سيار ، والعارف طيار ، ومتى يلحق السيار بالطيار ، ثم غابت عني فلم أرها بعد ذلك ، فظهر من هذه الحكاية أن للعارف نورا يمشي به إلى حيث شاء ، والجاهل يبقى في وادي الحيرة ولا يجد سبيلا إلا بتوفيق الله تعالى وهدايته ، فكما أن الأعمى والبصير ليسا على سواء ، فكذلك البصير الجاهل والعالم سواء كان جهله وعلمه في مرتبة الشريعة أو الطريقة ، أو المعرفة أو الحقيقة فالله تعالى باين بين أهل الحال ، كما باين بين أهل المقام وعظم النور وسعته بالنسبة إلى فسحة القلب ومعرفته فالقلب بيد الله تعالى يقلبه كيف يشاء ، ولذلك زين لأهل الإيمان وجوه الخير والطاعات وزين لأهل الكفر صنوف الشر والسيئات لكن العباد ليسوا بمجبورين فلهم اختيار في الخروج من الظلمات ، فإذا لم يصرفوا استعدادتهم إلى ما خلقوا لأجله بقوا في ظلمات الطبيعة والنفس هذا هو الكلام بالنسبة إلى ظاهر الحال ، وأما إن نظرت إلى إسناد الإحياء والجعل في الآية المذكورة إلى الله تعالى فمقتضى التوحيد أن الكل بيد الله ، ولا تأثير إلا من عند الله فإن وجدت خيرا فلحمد الله كثيرا فقد سبقت لك العناية وساعدك التوفيق فرب تقليد يوصل إلى التحقيق والله الهادي.

﴿وكذالك﴾ أي كما صيرنا في مكة فساقها أكابر.

﴿جعلنا في كل قرية﴾ متعلق بالفعل ﴿أكابر﴾ مفعول ثان جمع أكبر بمعنى عظيم.

﴿مجرميها﴾ مفعول أول جمع مجرم.

بالفارسية (كنهكار) ﴿ليمكروا فيها﴾ أي : ليفعلوا المكر في تلك القرية لأنهم لأجل رياستهم أقدر على المكر والغدر وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم وكان صناديد قريش ومجرموها أجلسوا على كل طريق من طرق مكة أربعة نفر ليصرفوا الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم يقولون لكل من تقدم إياك وهذا الرجل فإنه كاهن ساحر كذاب.

جزء : 3 رقم الصفحة : 95

قال البغوي : وذلك سنة الله تعالى أن جعل في كل قرية أتباع الرسل ضعفاءهم كما قال في قصة نوح : ﴿أنؤمن لك واتبعك الارذلون﴾ (الشعراء : 111) وجعل فساقهم أكابرها ليمكروا فيها والمكر السعي بالفساد في خفية ومداجاة والآية تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿وما يمكرون إلا بأنفسهم﴾ لأن وباله عليهم.

﴿ومآ﴾ والحال إنهم لا ﴿يشعرون﴾ بذلك أصلا بل يزعمون أنهم يمكرون بغيرهم.

﴿وإذا جآءتهم﴾ لما بين أن فساق كل قرية يكونون رؤساءها المتميزين بكثرة المال والجاه بين ما كان من رؤساء مكة من الجرم والفسق وهو أنه إذا جاءتهم ﴿ءاية﴾ دالة على صحة النبوة

98

﴿قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتى رسل الله﴾ من الوحي والكتاب لما روي أن أبا جهل قال : زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان ، قالوا منا نبي يوحى إليه والله لا نرضى به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه ، فأرادوا أي قوم مكة أن تحصل لهم النبوة والرسالة كما حصلتا لمحمد عليه السلام وأن يكونوا متبوعين لا تابعين.

قال صاحب "التيسير" : وهذه غاية السفه أن يقال لرجل آمن فيقول لا أومن حتى يجعلني الله نبيا.

قال الامام الثعلبي : المراد برسل الله هو حضرة النبي عليه السلام كما أنه المخاطب في قوله تعالى : يا اأيها الرسل} (المؤمنون : 51) وصيغة الجمع للتعظيم.

وفي "شرح التعرف" : إن الله تعالى لم يجمع شمائل جميع الأنبياء إلا في النبي صلى الله عليه وسلم خاطبه بقوله : يا اأيها الرسل} من كل شيء يعلم ﴿حيث يجعل رسالته﴾ أي الموضع الصالح لوضعها فيه ويضعها وهؤلاء ليسوا أهلالها لأن الأهلية بالفضائل النفسانية لا بالنسب والمال فحيث نصب على المفعولية بيعلم المقدر توسعا.

﴿سيصيب الذين أجرموا﴾ أي : يصيبهم البتة مكان ما تمنوه من عز النبوة وشرف الرسالة.

﴿صغار﴾ أي ذلة وحقارة بعد كبرهم ﴿عند الله﴾ أي : يوم القيامة فهو منصوب بقوله سيصيب مجاز عن حشرهم يوم القيامة ﴿وعذاب شديدا بما كانوا يمكرون﴾ أي : بسبب مكرهم المستمر وحيث كان هذا من معظم مواد إجرامهم صرح بسببيته.

جزء : 3 رقم الصفحة : 95

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٧٦