﴿أو من كان ميتا﴾ روي عن ابن عباس أن أبا جهل رمى النبي عليه السلام بفرث فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من الصيد بيده قوس وكان يومئذ لم يؤمن بعد فلقي أبا جهل فضرب رأسه بالقوس ، فقال أبو جهل : أما ترى ما جاء به سفه عقولنا وسب آلهتنا فقال حمزة : وأنتم أسفه الناس تعبدون الحجارة من دون الله تعالى أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله فنزلت هذه الآيات ، والهمزة للإنكار والنفي والواو لعطف الجملة الاسمية على مثلها الذي يدل عليه الكلام ، أي : أنتم أيها المؤمنون مثل المشركين ومن كان ميتا.
﴿فأحييناه﴾ أعطيناه الحياة وما يتبعها من القوى المدركة
96
والمتحركة ﴿وجعلنا له﴾ مع ذلك من الخارج ﴿نورا﴾ عظيما.
﴿يمشي به﴾ أي : بسببه ﴿فى الناس﴾ أي : فيما بينهم آمنا من جهتهم.
﴿كمن مثله﴾ أي صفته العجيبة ﴿فى الظلمات﴾ خبر مبتدأ محذوف ، أي هو في الظلمات ﴿ليس بخارج منها﴾ بحال وهو حال من المستكن في الظرف فمن الأولى موصولة مبتدأة وكمن خبرها وهي أيضا موصولة صلتها الجملة الاسمية الواقعة بعدها ، فالأولى تمثيل لمن هداه الله تعالى وأنقذه من الضلال وجعل له نور الحجج والآيات ، يتأمل بها في الأشياء فيميز بين الحق والباطل والمحق والمبطل كحمزة رضي الله عنه والثانية تمثيل لمن بقي على الضلالة لا يفارقها أصلا كأبي جهل.
﴿كذالك﴾ أي : كما زين للمؤمن من إيمانه.
﴿زين﴾ أي : من جهة الله تعالى بطريق الخلق أو من جهة الشيطان بطريق الوسوسة.
﴿للكافرين ما كانوا يعملون﴾ أي : ما استمروا على عمله من فنون الكفر والمعاصي وبهذا التزيين بقوا في ظلمات الكفر والضلالة ، ولم يهتدوا إلى نور الإيمان والهداية.
جزء : 3 رقم الصفحة : 95
قال أرباب الحقيقة : الموت بهوى النفس والحياة بمحبة الحق ، وأيضا الموت بالنكرة والحياة بالمعرفة وفرق بين حياة المعرفة وحياة البشرية ، فأهل العموم حي بحياة البشرية لكنه كالميت في قبر قالبه لا يمكنه الخروج من ظلمات وجوده المجازي ، وأهل الخصوص حي بحياة المعرفة فحياة البشرية تزول لقوله تعالى : ﴿كل نفس ذآااقة الموت﴾ (آل عمران : 185) بخلاف حياة المعرفة لقوله تعالى : ﴿فلنحيينه حيواة طيبة﴾ (النحل : 97) وقوله عليه السلام : "المؤمن حي في الدارين".
نميرد هر كرا جانش توباشي
خوشا جانى كه جانانش توباشى
قال الحافظ :
هركز نميزد آنكه دلش زنده شد بعشق
ثبت است بر جريده عالم دوام ما
وفي "التفسير الفارسي" : (شاه كرمان اين آيت برخواندكه ﴿أو من كان ميتا فأحييناه﴾ كفت نشان اين آيت سه يزاست ازخلق عزلت وباحق دعوت ودوام ذكر برزبان ودل وبزركي اين معنى را نظم فرموده).
برورى خلائق در صحبت مكشاى
مى باش بكلى متوجه بخداي
غافل مشو اذوق دل وذكر زبان
تازنده جاويد شوى دردو سراي
واعلم : أن الحي الحقيقي الذي ما كان ميتا ولا يموت أبدا هو الله تعالى وما سواه فهو ميت لأنه كان ميتا في العدم وسيموت أيضا قال الحافظ :
من هماندم كه وضو ساختم ازشمه عشق
ار تكبير زدم يكسره تر هره كه هست
يعنيشاهدت جيمع الخلق موتى بسبب الوصول إلى مقام العشق والفناء.
قال الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر : من شهد الخلق لا فعل لهم فاز ، ومن شهدهم لا حياة لهم فقد فاز ، ومن شهدهم عين العدم فقد وصل.
وعن عبد الواحد بن زيد رحمه الله قال : مررت براهب فسألته منذ كم أنت في هذا الموضع؟ فقال : منذ أربع وعشرين سنة ، قلت : من أنيسك؟ قال : الفرد الصمد ، قلت : ومن المخلوقين؟ قال : الوحش فسألته وما طعامك؟ قال : ذكر الله تعالى ، قلت : ومن المأكولات؟ قال : ثمار هذه الأشجار ونبات الأرض ، قلت : أفلا تشتاق إلى أحد؟ قال : نعم إلى حبيب قلوب
97
العارفين ، قلت : ومن المخلوقين قال من كان شوقه إلى الله تعالى سبحان كيف يشتاق إلى غيره؟ قلت : فلم اعتزلت عن الخلق؟ قال : لأنهم سراق العقول وقطاع طريق الهدى ، قلت : ومتى يعرف العبد طريق الهدى؟ قال : إذا هرب إلى ربه من كل شيء سواه واشتغل بذكره عن ذكر ما سواه ، ولكل سالك خطوة في السلوك إلى ملك الملوك.
جزء : 3 رقم الصفحة : 95