واعلم : أن المشركين جادلوا المسلمين ، فقالوا : أتأكلون مما قتلتم ولا تأكلون مما قتله الله؟ فأنزل الله الآية وأجاب بجواب أعم وبنى الحرمة على وصف يشمل الكل وهو ترك الذكر.
﴿وإن الشياطين﴾ أي : إبليس وجنوده.
﴿ليوحون إلى أوليآااهم﴾ أي : يوسوسون إلى المشركين ، والوحي : إلقاء المعنى إلى النفس مع الخفية.
﴿ليجادلوكم﴾ أيها المؤمنون في تحليل الميتة بالوساوس الشيطانية ﴿وإن أطعتموهم﴾ في استحلال الحرام وساعدتموهم على أباطيلهم ﴿إنكم لمشركون﴾ ضرورة إن من ترك طاعة الله إلى طاعة غيره واتبعه في دينه فقد أشرك به تعالى بل آثره عليه سبحانه.
جزء : 3 رقم الصفحة : 95
والإشارة : لا تأكلوا طعاما إلا بأمر الله وعلى ذكر الله وفي طلب الله ليندفع بنور الذكر ظلمة الطعام وشهوته وإن ظلمة الطعام وشهوته مؤدية إلى الفسق الذي هو الخروج من النور الروحاني إلى الظلمة النفسانية وفي الحديث : "إن الشيطان يستحل الطعام إلا بذكر اسم الله عليه" أي : لأنه لا يذكر اسم الله عليه بعد الشروع وما لم يشرع فيه أحد لايتمكن الشيطان من استحلاله.
وفيه إشارة : إلى أنه إن سمى واحد من الآكلين حصل أصل السنة ، ومن نسى التسمية في أول الطعام فإنه يقول : حين يذكر بسم الله أوله وآخره ، فإذا قال ذلك ، فقد تدارك تقصيره وهذا بخلاف الوضوء ، فإن التسمية سنة في أوله بحيث لو نسيها في أوله ثم تذكر في وسطه لم يكن هذا تداركا لسنة التسمية ، وذلك لأن الوضوء كله عمل واحد بخلاف الأكل فإن كل لقمة أكلة ، وكان رجل يأكل فلم يسم حتى لم يبق من طعامه إلا لقمة فلما رفعها إلى فيه قال بسم الله أوله وآخره فضحك النبي عليه السلام ثم قال : "ما زال الشيطان يأكل معه فلما ذكر اسم الله تعالى استقاء ما في ما بطنه" وهذا الحديث يدل على أن الشيطان يأكل بمضغ وبلع كما ذهب إليه قوم وقال آخرون أكل الشيطان صحيح لكنه تشمم واسترواح وإنما المضغ والبلع لذوي الجثث والشياطين أجسام رقاق.
قال في "آكام المرجان" : كل ما لم يسم عليه من طعام أو شراب أو لباس أو غير ذلك مما ينتفع به فللشيطان
95
تصرف واستعمال إما بإتلاف عينه كالطعام وإما مع بقاء عينه.
قال ثعلبة بن سهيل : كنت أصنع شرابا لي أشربه في السحر ، فإذا جاء السحر جئت فلا أجد شيئا فوضعت شرابا آخر وقرأت عليه يس ، فلما كان السحر جئت فإذا الشراب على حاله ، وإذا شيطان أعمى يدور حول البيت وفي الحديث : "إن الشيطان حساس لحاس فاحذروه على أنفسكم ، من بات وفي يده ريح غمر فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه" قال بعض أرباب الإشارة : إنما حرم أكل ما لم يذكر اسمه عليه لأن العارف حبيب الله والحبيب لا يذبح ولا يأكل ولا يشرب ولا يلبس ولا يفرش ولا يفعل شيئا إلا باسم حبيب ، ألا ترى أن يعقوب عليه السلام كان يقول في جميع أحواله يوسف ، وإنما وجبت التسمية عند الذبائح ؛ لأن مرارة النزع شديدة وذكر اسم الله تعالى أحلى من كل شيء ، فأمرنا بالتسمية عند الذبائح كي تسمع الشاة ذكر الله عند الموت فلا تشتد مرارة النزع مع حلاوة اسم الله ، ولذلك قال عليه السلام : "لقنوا موتاكم بشهادة أن لا إله إلا الله يسهل عليكم سكرات الموت" فلما كان الإحياء والإماتة من الله تعالى وحده ، لم يجز أن يذبح باسم غيره تعالى "ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل ما ذبح للجن وعلى اسمها" واستنبط بعض الخلفاء عينا وأراد إجراءها وذبح للجن عليها لئلا يغور ماؤها ، فأطعم ذلك ناسا فبلغ ذلك ابن شهاب فقال : أما إنه قد ذبح ما لم يحل له وأطعم الناس ما لا يحل لهم وكان من عادة الجاهلية قبل الإسلام تزيين جارية حسناء وإلباسها أحسن ثيابها وإلقاءها في النيل ، حتى يطلع ثم قطع تلك السنة الجاهلية على يدي من أخاف الجن وقمعها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهكذا هذه العين ، لو حفرها رجل عمري لم يذبح لهم عصفورا فما فوقه ولكن لكل زمان رجال فلو داوم إنسان على اسم الله لا تحرقه النار ، ولا تغرقه البحار ولا تنهشه الحياة ، ولا تضره السموم ، لأن كل مضر خلق مخوفا لمن يخاف الله فإذا خاف العبد من الله بكماله فله التسخير والتأثير.
جزء : 3 رقم الصفحة : 95
توهم كردن از حكم داور مي
ه كردن نيد زحكم توهي
محالست ون دست دارد ترا
كه در دست دشمن كذارد ترا
وقد ظهر لك من هذا كله أن إحراق البخور ، وإلقاء ماء الورد ، ورشه وذبح شيء من مكان يتوهم فيه الجن ، كله شرك يجب أن يحترز عنه ، وكذا من ذبح دجاجة لتصويتها مثل الديك أو ذبح ديكا لتصويته قبل الوقت وهو السحر وألقاها في مكان فقد ذبح ذلك للجن في اعتقاده ؛ لأنه أراد به صيانة نفسه وأهله وأولاده وماله من إصابة الجن والبلاء ، ولو كانتعالى لأكلها بل لو كان مخلصا لما فعل مثل هذا.