تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿وذروا﴾ أي : اتركوا أيها المؤمنون ﴿ظاهر الاثم وباطنه﴾ من إضافة الصفة إلى الموصوف ، أي : الإثم الظاهر والإثم الباطن والمراد بالإثم ما يوجب الإثم وهو المعاصي كلها ؛ لأنها لا تخلو من هذين الوجهين فيدخل فيه ما يعلن وما يسر سواء كان من أعمال القلوب أو الجوارح ، فأعمال الجوارح ظاهرة كالأقوال والأفعال وأعمال القلوب باطنة كالعقائد الفاسدة والعزائم الباطلة ، وحقيقة ظاهر الإثم طلب نعم الدنيا وباطنه الميل إلى نعم العقبى لأن كلا منهما يصير سببا للبعد عن حضرة المولى.

ظاهر وباطن خود اك كن ازلوث كناه

تاكه اكيزه شوى درصف مردان اله

﴿إن الذين يكسبون الاثم﴾ أي : يعملون المعصية ظاهرا وباطنا ﴿سيجزون﴾ سيعاقبون في الآخرة ﴿بما كانوا يقترفون﴾ أي : يكسبون في الدنيا كائنا ما كان فلا بد من اجتنابهما.

جمله دانند اين اكر تونكروى

هره ميكاريش روزي بد روى

والإشارة أن الله تعالى كما خلق للإنسان ظاهرا هو بدن جسماني وباطنا هو قلب روحاني فكذلك جعل للإثم ظاهرا هو كل قول وفعل موافق للطبع مخالف للشرع وباطنا هو كل خلق حيواني وسبعي وشيطاني جبلت النفس عليه.

﴿وذروا ظاهر الاثم وباطنه﴾ أي : اتركوا الأعمال الطبيعية باستعمال الأعمال الشرعية واتركوا الأخلاق الذميمة النفسانية بالتخلق بالأخلاق الملكية الروحانية.

﴿إن الذين يكسبون الاثم﴾ ظاهره وباطنه بالأفعال والأخلاق.

﴿سيجزون بما كانوا يقترفون﴾ وآجلا أما عاجلا فلكل فعل وقول طبيعي ظلمة تصدأ مرآة القلب بها فيخرف مزاج الأخلاق القلبية الروحانية ، ويتقوى مزاج الأخلاق النفسانية الظلمانية وبه يغلب الهوى ويميل إلى الدنيا وشهواتها ، فبإظهار كل خلق منها على وفق الهوى يزيد رينا وقسوة في القلب فيحتجب به عن الله تعالى كما قال تعالى : ﴿كلا بلا ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾ (المطففين : 14) وأما آجلا فبهذه الموانع والحجب ينقطع العبد عن الله ويبقى محجوبا معذبا في النار خالدا مخلدا كما قال تعالى : ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ (المطففين : 15) كذا في "التأويلات النجمية".

جزء : 3 رقم الصفحة : 90

اعلم : أن العصاة كلهم في خطر المشيئة بل الطائعون لا يدرون بماذا يختم لهم فيا أيها العاصي لا تغتر فإن العناية لا تحصل لكل عاص ولا تدري أنك ممن أراد الله تعالى عفوه فإن المعفو من أول الأمر وقع قليلا كما حكي عن مالك بن دينار قال : رأيت بالبصرة قوما يحملون جنازة وليس معه أحد ممن يشيع الجنازة فسألتهم عنه قالوا هذا رجل من كبار المذنبين قال : فصليت عليه وأنزلته في قبره ، ثم انصرفت إلى الظل فنمت فرأيت ملكين قد نزلا من السماء فشقا قبره ، ونزل أحدهما إليه ، وقال لصاحبه : اكتبه من أهل النار فما فيه جارحة سلمت من المعاصي والأوزار فقال له صاحبه يا أخي لا تعجل عليه اختبر عينيه قال : قد اختبرتهما فوجدتهما مملوءتين بالنظر إلى محارم الله قال : فاختبر سمعه قال قد اختبرته فوجدته

مملوءا بسماع الفواحش والمنكرات قال : فاختبر لسانه قال : قد اختبرته فوجدته

94

مملوءا بالخوض في المحظورات وارتكاب المحرمات قال : فاختبر يديه قال : اختبرتهما فوجدتهما مملوءتين بتناول الحرام وما لا يحل من الشهوات واللذات قال : فاختبر رجليه قال : قد اختبرتهما فوجدتهما مملوءتين بالسعي في النجاسات والأمور المذمومات قال : يا أخي لا تعجل عليه ودعني أنزل إليه فنزل إليه الملك الثاني وأقام عنده ساعة وقال : يا أخي قد اختبرت قلبه فوجدته مملوءا إيمانا فاكتبه مرحوما سعيدا ففضل الله تعالى يستغرق ما عليه من الذنوب والخطايا.

قال السعدي قدس سره :

عروسي بود نوبت ما تمت

كرت نيك روزي بود خاتمت

يعني : يوم وفاتك يكون يوم فرح وسرور إن كنت ممن قبض على الإيمان تسأل الله عفوه ورجاه.

الهي بحق بني فاطمة

كه برقول ايمان كنم خاتمه

جزء : 3 رقم الصفحة : 90

﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ أي : عمدا إذ الناسي حال نسيانه لا يكون مكلفا وذكر الله تعالى في قلب كل مؤمن ، وأما العامد فلأنه لما ترك التسمية عمدا فكأنه نفى ما في قلبه ويدخل فيه الميتة لأنها مما لم يذكر اسم الله عليه وكذا ما ذبح على اسم غيره تعالى.

﴿وأنه﴾ أي الأكل منه أو عدم ذكر التسمية.

﴿لفسق﴾ أي : خروج لما لا يحل فإن من ترك التسمية عامدا حال الذبح لا يحل أكل ذبيحته عند الإمام الأعظم.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٧٣