تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الإمام : إن المشركين كانوا يبيحون أكل ما ذبح على اسم الله تعالى ولا ينازعون فيه وإنما النزاع في أنهم أيضا كانوا يبيحون أكل الميتة ، والمسلمون كانوا يحرمونها ، وإذا كان كذلك كان ورود الأمر بإباحة ما ذكر اسم الله عليه عبثا ؛ لأنه يقتضي إثبات الحكم في المتفق عليه وترك الحكم في المختلف فيه ، فأجاب بأن معنى كلوا اجعلوا أكلكم مقصورا على ماذكر اسم الله عليه ومعنى أن لا تأكلوا أن لا تجعلوا أكلكم مقصورا عليه فيفيد تحريم أكل الميتة فقط.

﴿وقد فصل لكم﴾ أي : والحال إنه تعالى قد بين لكم.

﴿ما حرم عليكم﴾ مما لم يحرمه بقوله تعالى في هذه السورة ﴿قل لا أجد فى مآ أوحى إلى محرما﴾ (الأنعام : 145) الآية.

فبقي ما عدا ذلك على الحل لا بقوله تعالى : ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ (المائدة : 3) الآية.

لأنها مدنية وهذه السورة مكية.

فإن قلت قوله تعالى : ﴿قل لا أجد﴾ (الأنعام : 145) الآية.

مذكور بعده هذه الآية وصيغة فصل تقتضي التقدم.

قلت : إن التأخر في التلاوة لا يوجب التأخر في النزول ، ويجوز أن يحمل على التفصيل بالوحي

92

الغير المتلو كما ذهب إليه سعدي لبي المفتي وجعله أولى عنده.

﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾ مما حرم عليكم فإنه أيضا حلال حال الضرورة فالاستثناء متصل والمستثنى منه ما حرم ، وما مصدرية بمعنى المدة ، أي : وقد فصل لكم الأشياء التي حرمت عليكم في جميع الأوقات إلا وقت الاضطرار إليها وإن جعلت موصولة تعين أن يكون الاستثناء منقطعا ؛ لأن ما اضطر إليه حلال فلا يدخل تحت ما حرم عليهم.

﴿وإن كثيرا﴾ من الكفار ﴿ليضلون﴾ الناس ﴿بأهوآئهم﴾ بما تهواه أنفسهم من تحليل الميتة وغيرها ﴿بغير علم﴾ مقتبس من الشريعة الشريفة مستند إلى الوحي.

﴿إن ربك هو أعلم بالمعتدين﴾ المتجاوزين الحق إلى الباطل والحلال إلى الحرام.

جزء : 3 رقم الصفحة : 90

اعلم : أن أهل الهوى على أنواع فالمعتزلة والشيعة ونحوهما من أهل القبلة أهل هوى لأنهم يخالفون أهل السنة والجماعة بتأويل الكتاب والسنة على حسب هواهم ، فيضلون الناس بهواهم كما يضل الكفار وأهل الشرك ، وأما أخذ الإشارات من الآيات والأحاديث على وجه يطابق الشرع الشريف فذلك ليس بهوى بل هو عرفان محض.

قال في "المثنوي" :

تو زقرآن اي سر ظاهر مبين

دو آدم را نبييند جزكه طين

ظاهر قرآن وشخص آدميست

كه نقوشش ظاهر وجانش خفيست

فالتقليد لأصحاب الإشارات ليس كالتقليد لأصحاب الضلالات ؛ لأنهم بنوا أمرهم على العيان واليقين لا على الظن والتخمين ، وكذا أهل الدنيا أهل هوى بالنسبة إلى أهل العقبى فإن الكون كله خيال وتابع الخيال لا يعد من العقلاء والرجال.

وعن بهلول رحمه الله قال : بينما أنا ذات يوم في بعض شوارع البصرة ؛ إذ الصبيان يلعبون بالجوز واللوز ، وإذا أنا بصبي ينظر إليهم ويبكي ، فقلت : هذا صبي يتحسر على ما في أيدي الصبيان ولا شيء معه ، فيلعب به ، فقلت له : أي بني ما يبكيك أأشتر لك من الجوز واللوز ما تلعب به مع الصبيان؟ فرفع بصره إلي ، وقال : يا قليل العقل ما للعب خلقنا ، فقلت : أي بني فلماذا خلقنا؟ فقال : للعلم والعبادة فقلت من أين لك ذلك بارك الله فيك قال من قول الله عز وجل : ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ (المؤمنون : 115) وكذا أهل العقبى أهل هوى بالنسبة إلى أهل المولى فأهل المولى تجردوا عن تعلق الكونين وتجاوزوا عن اعتبار الوصل والبين وما نزلوا إلى شيء غيره.

قال صاحب "المحمدية" :

سالكان دركهت را هردو عالم يك نفس

والهان حضرتت را ازحور جنت ملال

وقد حرم الله الدنيا على أهل الآخرة والآخرة على أهل الدنيا وحرم كلا منهما على أهل الله تعالى لكن من تناول من الدنيا قدر ما يسد به جوعته ويستر به عورته فإنه ليس من أهل الدنيا لأن ذلك من الضرورات البشرية وفيه إذن الله تعالى لمحافظة الدائرة البدنة التي هي الأس.

والإشارة في قوله تعالى : ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بااياته مؤمنين﴾ يعني : إن من أمارات الإيمان أن تأكلوا الطعام بحكم الشرع لا على وفق الطبع وتذيبوه بذكر الله كما قال عليه السلام : "أذيبوا طعامكم بذكر الله" فإن الأكل على الغفلة والنسيان والاستعانة به على العصيان يورث موت الجنان ، والحرمان من الجنان ، وفي هذا الحديث إشارة إلى مشروعية

93

الجهر ؛ إذ ذوبان الطعام في صورة الجهر أظهر ، ويدل عليه ما ورد أيضا من الركعتين بعد الطعام أو من تلاوة عشر آيات من القرآن ؛ إذ الحركة البدنية تفضي إلى استمراء الطعام وانهضامه الذي به تحصل قوة البدن وبقوة البدن يقوى المرء على العبادة ، وفي العبادة بعد الطعام شكر للنعمة والشكر إما بالقلب أو باللسان أو بالأعضاء والجوارح.

جزء : 3 رقم الصفحة : 90

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٧٢