تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿أفغير الله أبتغى حكما﴾ الهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر وغير مفعول أبتغي وحكما حال وتقديم المفعول للإيذان بأن مدار الإنكار هو ابتغاء غيره حكما لا مطلق الابتغاء والحكم أبلغ من الحاكم وأدل على الرسوخ لما أنه لا يطلق إلا على العادل وعلى من تكرر منه الحكم بخلاف الحاكم ، وفي الكلام إرادة القول وإضماره روي أن مشركي مكة قالوا : يا محمد اجعل بيننا وبينك حكما من أحبار اليهود أو من أساقفة النصارى يفصل بين المحق والمبطل فإنهم قرؤوا الكتب قبلك فأنزل الله هذه الآية وقال قل يا محمد أأميل عن الحق فأطلب غير الله تعالى حال كون ذلك الغير قاضيا بيني وبينكم.

﴿وهو الذى أنزل إليكم الكتاب﴾ الجملة حال من فاعل أبتغي ، أي : والحال أن الله تعالى هو الذي أنزل إليكم وأنتم أمة أمية لا تدرون ما تأتون وما تذرون القرآن الناطق بالحق والصواب.

﴿مفصلا﴾ أي : مبينا فيه الحق والباطل والحلال والحرام وغير ذلك من الأحكام بحيث لم يبق في أمر الدين شيء من التخليط والإبهام فأي حاجة بعد ذلك إلى الحكم وهذا كما ترى صريح في أن القرآن الكريم كاف في أمر الدين مغنن عن غيره بيانه وتفصيله.

﴿أفغير الله أبتغى حكما وهو الذى أنزل إليكم﴾ كلام مستأنف غير داخل تحت القول المقدر مبين أن الذين وثقوا بهم ورضوا بحكميتهم من علماء أهل الكتابين عالمون بحقية القرآن ، ونزوله من عند الله تعالى ، والمعنى وعلماء اليهود النصارى الذين فهمناهم التوراة والإنجيل يعلمون أن ذلك الكتاب أي القرآن منزل من ربك حال كونه ملتبسا.

﴿بالحق﴾ والصدق وهو بالفارسي (براستى ودرستى) وهو متعلق بمحذوف وقع حالا من الضمير المستكن في منزل.

﴿فلا تكونن من الممترين﴾ أي : من الشاكين في أنهم يعلمون بحقية القرآن لما لا تشاهد منهم آثار العلم وأحكام المعرفة فالفاء لترتيب النهي على الإخبار بعلم أهل الكتاب بشأن القرآن ، وفي أنه منزل من ربك بالحق فيكون من باب التوبيخ والإلهاب أي الثبات على اليقين كقوله : ﴿فلا تكونن من الجاهلين﴾ (الأنعام : 35) فالفاء لترتيب النهي على نفس علمهم بحال القرآن.

جزء : 3 رقم الصفحة : 90

ثم إنه تعالى لما بين كمال الكتاب المذكور من حيث إضافته إليه تعالى بكونه منزلا منه بالحق بين أيضا كماله من حيث ذاته فقال.

﴿وتمت كلمت ربك﴾ عبر عن الكتاب أي القرآن بالكلمة لأنها الأصل في الاتصاف بالصدق والعدل وبها يظهر الآثار من الحكم ﴿صدقا وعدلا﴾ مصدران نصبا على الحال أي صادقة وعادلة ومعنى تمامها عبارة عن بلوغها الغاية في كونها كافية في بيان ما يحتاج إليه المكلفون إلى يوم القيامة علما وعملا وفي كونها صدقا وعدلا ، والمعنى أنها بلغت الغاية القاصية صدقا في الأخبار والمواعيد كالخبر عن وجود ذات الله تعالى وصفاته الثبوتية والسلبية ، وكالخبر عن أحكام الله تعالى في الوعد والوعيد والثواب

90

والعقاب ، وكالخبر عن أحوال المتقدمين وعن الغيوب المستقبلة وعدلا في الأقضية والأحكام المتعلقة بالمكلفين من الجن والإنس كالصلاة والصوم والزكاة والحج وسائر التكاليف الشرعية سواء كانت أمرا أو نهيا ﴿لا مبدل لكلماته﴾ لا أحد يبدل شيئا من ذلك بما هو أصدق وأعدل ولا بما هو مثله فكيف يتصور ابتغاء حكم غيره تعالى ﴿وهو السميع﴾ لكل ما يتعلق به السمع ﴿العليم﴾ بكل ما يمكن أن يعلم فيدخل في ذلك أقوال المتحاكمين وأحوالهم الظاهرة والباطنة دخولا أوليا.

ومحصول الآية : أن القرآن حكم الله تعالى وحجته الغالبة بين الناس فلا عدول عنه إلى غيره ؛ إذ لا يعدل عنه إلا المنكر سواء كان إنكاره عناديا كالعالم بحقيته أو تكذيبا ، كالجاهل بها وأما المقر فهو له جذبة إلهية ينجذب بالعمل بما فيه إلى درجات العلم والعرفان ، وكمال الإيقان ؛ إذ هو كلمة حق وصدق والصدق يهدي إلى الجنة والقربة والوصلة ولا ترتفع التكليفات عن العبد وإن وصل إلى تجلي الذات ما دام في عالم الدنيا لا كما زعمه بعض الزاعمين ، وأما في عالم الآخرة فترتفع التكليفات فعبادة ذلك العالم التوحيد ليس إلا ، ولا بد من رعاية الشريعة في جميع المراتب فإن الكمال فيه ، وإلا فهو ناقص ولذلك ترى المجاذيب لا يخلون عن نقصان ألا يرى أن الأنبياء عليهم السلام لم يسمع عن واحد منهم عروض السفه والجنون فكامل العقل يحس صرير الباب وصوت الذباب في حال استغراقه.

حكي أن الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر قال يوما لمريديه هل صدر مني شيء يخالف الشريعة قالوا لا فحمد الله تعالى وقال ما كنت ههنا منذ ثلاثين سنة والإنسان أشرف المخلوقات وأشرف الإنسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولذلك صار مظهرا للفرقان الكريم من المبتدأ القديم وهو الحكم الذي نصبه الله تعالى لإحقاق الحق وإبطال الباطل.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٧٠