واعلم أن قرين المرء من الجن إذا أسلم سلم من شره ومن الجن قوم مؤمنون منتفعون بعلوم كل البشر محبون حكي عن إبراهيم الخواص قال : حججت سنة من السنين فبينا أنا أمشي مع أصحابي إذا عارضني عارض من سري يقتضي الخلوة وخروجا عن الطريق الجادة فأخذت طريقا غير الطريق الذي عليه الناس فمشيت ثلاثة أيام بليالهن ما خطر على سري ذكر طعام ولا شراب ولا حاجة فانتهيت إلى برية خضراء فيها من كل الثمرات والرياحين ، ورأيت في وسطها بحيرة فقلت كأنها الجنة وبقيت متعجبا فبينا أنا أتفكر إذا أنا بنفر قد أقبلوا سيماهم سيما الآدميين عليهم المرقعات الحسان فحفوا بي وسلموا علي ، فقلت : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته فوقع في خاطري أنهم من الجن فقال قائل منهم قد اختلفنا في مسألة ونحن نفر من الجن قد سمعنا كلام الله تعالى من محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الجن وسلبتنا نغمة كلامه جميع أمور الدنيا وقد عين الله لنا هذه البحيرة في هذه البرية قلت وكم بيننا وبين الموضع الذي تركت فيه أصحابي فتبسم بعضهم وقال يا أبا إسحاقعز وجل عجائب وأسرار الموضع الذي أنت فيه لم يحضره آدمي قبلك إلا شاب من أصحابهم توفي ههنا وذاك قبره ، أشار إلى قبر على شفير البحيرة حوله روضة ورياحين لم أر مثلها قبل ثم قال بينك وبين القوم الذين فارقتهم مسيرة كذا وكذا شهرا ، أو قال كذا وكذا سنة فقلت أخبروني عن الشاب ، فقال قائل منهم : بينما نحن قعود على شفير البحيرة نتذاكر المحبة إذ بشخص قد أقبل إلينا وسلم علينا فرددنا عليه السلام فقلنا له من أين أقبل الشاب قال من مدينة نيسابور قلنا له ومتى خرجت منها قال منذ سبعة أيام قلنا له وما الذي أزعجك على الخروج من وطنك قال سمعت قول الله تعالى : ﴿وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون﴾ (الزمر : 54) قلنا له ما معنى الإنابة وما معنى الإسلام وما معنى العذاب فقال الإنابة أن ترجع بك منك إليه والإسلام أن تسلم نفسك له وتعلم أنه أولى بك منك والعذاب الفرقة ثم صاح صيحة عظيمة فمات فواريناه ، وهذا قبره رضي الله عنه قال إبراهيم : فتعجبت مما وصفوا ثم دنوت من قبره وإذا عند
89
رأسه باقة نرجس ، كأنها رحى عظيمة وعلى قبره مكتوب هذا حبيب الله فتيل الغيرة وعلى ورقها مكتوب صفة الإنابة ، فقرأت ما هو على النرجس مكتوب فسألوني أن أفسره لهم ففسرته فوقع فيهم الطرب فلما أفاقوا وسكنوا قالوا قد كفينا جواب مسألتنا قال ووقع علي النوم فما انتبهت إلا وأنا قريب من مسجد عائشة رضي الله عنها وإذا في وعائي باقة ريحان فبقيت معي سنة كاملة لم تتغير فلما كان بعد فقدتها رضي الله عنه وعنهم وعن جميع الصالحين.
جزء : 3 رقم الصفحة : 86