وعن مالك بن دينار أنه قال : شياطين.
الإنس أشد علي من شياطين الجن وذلك أني إن تعوذت بالله من شياطين الجن ذهبت عني وشياطين الإنس تجيئني فتجرني إلى المعاصي عيانا ﴿يوحى بعضهم إلى بعض﴾ كلام مستأنف مسوق لبيان أحكام عداوتهم وتحقيق وجه الشبه بين المشبه والمشبه به.
والوحي الكلام الخفي والقول السريع الذي يلقى سرا أي يلقى يوسوس شياطين الجن والأنس أو بعض الجن إلى بعض وبعض الإنس إلى بعض.
﴿زخرف القول﴾ أي : المموه منه المزين ظاهره والباطل باطنه يقال فلان زخرف كلامه إذا زينه بالكذب والباطل.
﴿غرورا﴾ مفعول له ليوحي أي ليغروهم.
﴿ولو شآء ربك﴾ عدم ما ذكر من العداوة والإيحاء.
﴿ما فعلوه﴾ أي ما ذكر فأعيد ضمير الواحد إلى الاثنين باعتباره.
﴿فذرهم﴾ أي : إذا كان ما فعلوه في حقك بمشيئته تعالى فاتركهم.
﴿وما يفترون﴾ وافتراءهم ، أي : كفرهم وسائر مكائدهم فإن لهم في ذلك عقوبات شديدة ولك عواقب حميدة لابتناء مشيئته تعالى على الحكم البالغة ألبتة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 86
﴿ولتصغى إليه﴾ إلى زخرف القول علة أخرى للإيحاء معطوفة على غرورا وإنما لم ينصب لفقد شرطه إذ الغرور فعل الموحي وإصغاء الأفئدة فعل الموحى إليه أي يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغروهم به ولتميل إليه.
﴿أفادة﴾ قلوب ﴿الذين لا يؤمنون بالاخرة﴾ وأما المؤمنون بها فلا يتصور منهم الميل إلى تلك المزخرفات لعلمهم ببطلانها ووخامة عاقبتها.
﴿وليرضوه﴾ لأنفسهم بعد ما مالت إليه أفئدتهم.
﴿وليقترفوا﴾ أي : يكتسبوا بموجب ارتضائهم له.
﴿ما هم مقترفون﴾ له من القبائح التي لا يليق ذكرها وهي ما قضى عليهم في اللوح المحفوظ يقال اقترف فلان ذنبا إذا عمله ومالا إذا اكتسبه.
وفي الآية : إشارة إلى أن البلايا للسائرين إلى الله هي المطايا وأن أشد البلاء شماتة الأعداء فلما كانت رتبة الأنبياء أعلى كانت عداوة الكفار لهم أوفى وفي ذلك ترقيات لهم وتجليات.
قال الحافظ :
ه جورها كه كشيدند بلبلان ازدى
ببوى آنكه دكر نوبهار باز آيد
والإشارة في شيطان الإنس إلى النفس الأمارة بالسوء وهي أعدى الأعداء ولهذا قدم
88
ذكره على الجن ههنا بخلاف المواضع الأخر وليعلم أن عداوة النفس وأصحاب النفوس أشد وأصعب من عداوة شياطين الجن فإن كيد الشيطان مع كيد الإنسان ضعيف وأرباب القلوب لا يصغون إلى زخارف أقوال أصحاب النفوس بل كلما تشتد عداوة الأعداء يقوى إيمان الأولياء.
وفاكنيم وملامت كشيم وخوش باشيم
كه در طريقت ما كافريست رنجيدن
وإنما يتسلط الشيطان على ابن آدم بفضول النظر والكلام والطعام وبمخالطة الناس ومن اختلط فقد استمع إلى الأكاذيب.
وعن بعض الشيوخ : أن الشيطان أشد بكاء على المؤمن إذا مات من بعض أهله لما فاته من افتتانه إياه في الدنيا وإذا عرج بروح المؤمن إلى السماء قالت الملائكة سبحان الذي نجى هذا العبد من الشيطان يا ويحه كيف نجا.
فعلى المؤمن أن يحترز من وساوسه وحديث نفسه أيضا كيلا يفتضح عند الله وعند الناس فإنه روي أن الوسواس الخناس يخبر بما وقع في قلب ابن آدم وحدث به نفسه وإن لم يخبره لغيره كما حكي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذكر امرأة في نفسه فجعل الناس يتحدثون به فيما بينهم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 86