تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واعلم أن الآية وإن عظمت لا تضطر إلى الإيمان إن لم يشأ الله تعالى فإنه لا آية أعظم من قيام الساعة والله تعالى يقول : ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ (الأنعام : 28) وجملة الأمر أن المشيئة تغير السجية وعدمها من فساد الاستعداد فلذا بقي أهل الضلال في يد القهر والجلال.

قال السعدي :

زوحشى نه يايدكه مردم شود

بسعى اندر اوتربيت كم شود

توان اك كردن زنك آيينه

ولكن نيايد زسنك آيينه

86

وقال الحافظ :

كرجان بدهد سنك سيه لعل نكردد

باطينت اصلي ه كند بدكهر افتاد

وأما قول المولوي قدس سره في "المثنوي" :

كرتو سنك خاره ومرمر شوى

ون بصاحب دل رسى كوهر شوى

فإشارة إلى المستعبد بحكم الأصل فإن التربية تنفع فيه فجميع المعجزات من الأنبياء والكرمات من الأولياء علمية كانت أو كونية تربية لمن في زمانهم فمن حسن استعداده مال واهتدى ومن فسد أعرض وضل وترى كثيرا من المغرورين المشغولين بأحكام طبائعهم الخبيثة ونفوسهم المتمردة يقولون كالطلبة ، لو أنا صادفنا المرشد الكامل ورأينا منه العلامة واضحة لكنا أول من يسلك بطريقتهم ويتمسك بأذيال حقيقتهم فقل لهم إن الشمس شمس ، وإن لم يرها الضرير والعسل عسل ، وإن لم يجد طعمه الممرور والطالب المستعد لا يقع في الأمنية ، ولا يضيع نقد عمره بخسارة بل يجتهد كل حين بما أمكن له من الطاعات ويكون في طريق الطلب فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله.

قال في "المثنوي" :

كركران وكرشتابنده بود

عاقبت جوينده يابنده بود

ثم هذا الاستعداد وانشراح الصدر في طريق الحق نور من الله تعالى يقذفه في قلب أي عبد شاء وليس بحداثة السن ولا بالشيخوخة وكم رأيت وسمعت من غلبه الحال في عنفوان عمره وعنوان أمره.

وعن بعض الصالحين قال : حججت سنة من السنين وكانت سنة كثيرة الحر والسموم فلما كان ذات يوم وقد توسطنا أرض الحجاز ، انقطعت عن الحاج وغفلت قليلا فلم أشعر ليلا إلا وأنا وحدي في البرية فلاح لي شخص أمامي فأسرعت إليه ولحقته ، وإذا به غلام أمرد لا نبات بعارضيه كأنه القمر المنير والشمس الضاحية وعليه أثر الدلال والترف ، فقلت له : السلام عليك يا غلام ، فقال : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا إبراهيم فعجبت منه كل العجب ورابني أمره ، فلم أتمالك أن قلت له يا غلام سبحان الله من أين تعرفني ولم ترني قبلها؟ فقال لي : يا إبراهيم ما جهلت مذ عرفت ولا قطعت مذ وصلت ، فقلت : ما الذي أوقعك في هذه البرية في مثل هذه السنة الكثيرة الحر والقيظ؟ فأجابني يا إبراهيم ما آنس بسواه ولا رافقت غيره وأنا منقطع إليه بالكلية مقر له بالعبودية ، فقلت له : من أين المأكول والمشروب فقال لي : تكفل به المحبوب فقلت والله إني خائف عليك لأجل ما ذكرت لك فأجابني ودموعه تتحدر على خديه كاللؤلؤ الرطب.

جزء : 3 رقم الصفحة : 86

فلو أجوع فذكر الله يشبعني

ولا أكون بحمد الله عطشانا

وإن ضعفت فوجد منه يحملني

من الحجاز إلى أقصى خراسانا

فقلت له : بالله عليك يا غلام إلا ما أعلمتني حقيقة عمرك؟ فقال اثنتا عشرة سنة ثم رجوته فدعا لي باللحوق إلى أصحابي فلما وقفنا بعرفة ودخلنا الحرم إذا أنا بالغلام وهو متعلق بأستار الكعبة وهو يبكي ويناجي ثم وقع ساجدا ومات إلى رحمة الله تعالى ، ثم رأيته في المنام فقلت ما الذي فعل بك إلهك فقال أوقفني بين يديه وقال لي ما بغيتك فقلت إلهي وسيدي أنت بغيتي ، فقال لي :

87

أنت عبدي حقا ولك عندي أن أحجب عنك ما تريد ، فقلت : أريد أن تشفعني في القرن الذي أنا فيه ، قال شفعتك فيه ثم إنه صافحني فاستيقظت بعد المصافحة فلم أر أحدا إلا ويقول لي يا إبراهيم لقد أزعجت الناس من طيب رائحة يدك.

قال بعض المحدثين : ولم تزل رائحة الطيب تخرج من يد إبراهيم حتى قضى نحبه رحمه الله رحمة واسعة.

﴿وكذالك﴾ أي : كما جعلنا لك عدوا كأبي جهل وغيره من كفار قريش ﴿جعلنا لكل نبى﴾ قبلك ﴿عدوا﴾ وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث إن عداوتهم وما يبتنى عليها مما لا خير فيه من الأقاويل الكاذبة والأفاعيل الباطلة ليس مختصا به عليه السلام بل كما ابتلى هو وأمته بكيد الأعداء ابتلى جميع الأنبياء وأممهم.

﴿شياطين الانس والجن﴾ أي : مردة الفريقين على أن الإضافة بمعنى من البيانية وهو بدل من عدوا ، والشياطين جمع شيطان وهو يطلق عل كل عات متمرد من الإنس والجن والشيطان من الجن إذا أعياه المؤمن وعجز عن إغوائه ذهب إلى متمرد من الأنس فأغراه على المؤمن ليفتنه.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٦٧