قال الحدادي : وإنما جمع بين حفيظ ووكيل لاختلاف معناهما.
فإن الحافظ للشيء هو الذي يصونه عما يضره ، والوكيل بالشيء هو الذي يجلب الخير إليه فقد ظهر أن عدم قبول الحق من الشقاوة الأصلية ولذا لم يشأ الله سعادتهم وهدايتهم ، وعلامة الشقاوة : جمود العين وقساوة القلب وحب الدنيا وطول الأمل ، وعلامة السعادة : حب الصالحين والدنو منهم وتلاوة القرآن وسهر الليل ومجالسة العلماء ورقة القلب.
جزء : 3 رقم الصفحة : 81
وعن إبراهيم المهلب السائح رحمه الله قال : بينا أنا أطوف إذا بجارية متعلقة بأستار الكعبة وهي تقول : بحبك لي ألا ردت علي قلبي ، فقلت : يا جارية من أين تعلمين أنه يحبك؟ قالت بالعناية القديمة جيش في طلبي الجيوش وأنفق الأموال حتى أخرجني من بلاد الشرك ، وأدخلني في بلاد التوحيد وعرفني نفسي بعد جهلي إياها فهل هذا يا إبراهيم إلا لعناية أو محبة.
قال الحافظ :
ون حسن عاقبت نه برندى وزاهديست
آن به كه كار خود بعنايت رهاكنند
والواجب على العبد أن يسارع إلى الأعمال الصالحة فإنها من علامات السعادة والتأخير وطول الأمل من علامات الشقاوة حكي أن بعض العباد كان يسأل الله تعالى أن يريه إبليس فقيل له اسأل الله العافية فأبى إلا ذلك فأظهره الله تعالى له فلما رآه العابد قصده بالضرب فقال له إبليس : لولا أنك تعيش مائة سنة لأهلتك ولعاقبتك فاغتر بقوله : فقال في نفسه إن عمري بعيد فأفعل ما أريد.
ثم أتوب فوقع في الفسق وترك العبادة وهلك وهذه الحكاية تحذرك طول الأمل فإنه آفة عظيمة.
قال الصائب :
82
در اين غافلان طول امل داني كه يست
آشيان كردست مارى در كبوتر خائه
واعلم أنه ما على الرسول عليه السلام إلا التبليغ ودلالة كل قوم إلى ما خلق له.
فيدعو العوام إلى التوحيد.
والخواص إلى الوحداية.
وخواص الخواص إلى الوحدة وكذا حال الولي الوارث لكن الوصول إلى هذه المقامات إنما يكون بهداية الله ومشيئته فليس في وسع المرشد أن يوصل كل من أراد إلى ما أراده فيبقى من يبقى في الاثنينية ويصل من يصل إلى عالم الوحدة والسبب الموصل هو التوحيد فكما أن الكافر لا يكون مؤمنا إلا بكلمة التوحيد فكذا المؤمن لا يكون مخلصا إلا بتكرارها لأن الشرك مطلقا جليا كان أو خفيا لا يزول إلا بالتوحيد مطلقا فالمؤمن الناقص كما أنه لا يلتفت إلى المشرك بالشرك الجلي وحاله كذلك المؤمن الكامل لا ينظر إلى جانب المشرك بالشرك الخفي ، ولذا قال تعالى : ﴿لا إله إلا هوا وأعرض عن المشركين﴾ لكن الإعراض من حيث الحقيقة لا ينافي الإقبال من حيث الظاهر لأجل الدعوة حتى يلزم الحجة ويحصل الإفحام ﴿والله يدعوا إلى دار السلام﴾ (يونس : 35) فالسلام على من اتبع الهدى والملام على من اتبع الهوى.
قال الحافظ :
ه شكرهاست درين شهركه قانع شده اند
شاهبازان طريقت بمقام مكسى
جزء : 3 رقم الصفحة : 81
﴿ولا تسبوا﴾ أي : لا تشتموا أيها المؤمنون ﴿الذين﴾ أي : الأصنام ﴿يدعون﴾ أي : يدعونها آلهة ويعبدونها ﴿من دون الله﴾ أي : متجاوزين عبادة الله تعالى والمراد بالداعين كفار مكة.
وقال المولى أبو السعود رحمه الله : أي لا تشتموهم من حيث عبادتهم لآلهتهم كأن تقولوا تبا لكم ولما تعبدونه مثلا.
﴿فيسبوا الله عدوا﴾ أي : تجاوزا عن الحق إلى الباطل بأن يقولوا لكم مثل قولكم لهم وهو منصوب على المصدر لكونه نوعا من عامله لأن السبب من جنس العدو أو على أنه مفعول له أي لأجل العدو.
﴿بغير علم﴾ حال أي يسبونه غير عالمين بالله تعالى وبما يجب أن يذكر به أي مصاحبين للجهل لأنهم لو قدروا الله حق قدره لما أقدموا عليه.
فإن قلت : إنهم كانوا مقرين بالله وعظمته وإن الأصنام إنما تعبد ليكونوا شفعاء عند الله فكيف يسبونه.
قلت : إنهم لا يفعلون ذلك صريحا لكن ربما يفضي فعلهم إلى ذلك وأيضا إن الغيظ والغضب إنما يحمل الإنسان على التكلم بما ينافي العقل ألا يرى أن المسلم قد يتكلم لشدة غضبه بما يؤدي إلى الكفر والعياذ بالله.
وفي الآية : دليل على أن الطاعة إذا أدت إلى معصية راجحة وجب تركها فإن ما يؤدي إلى الشر شر ألا يرى أن سب الأصنام وطعنها من أصول الطاعات وقد نهى الله تعالى عنه لكونه مؤديا إلى معصية عظيمة وهي شتم الله وشتم رسوله وفتح باب السفاهة.
قال الحدادي : وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا أراد أن يأمر غيره بالمعروف ويعلم أن المأمور يقع بذلك في أشد مما هو فيه من شتم أو ضرب أو قتل كان الأولى أن لا يأمره ويتركه على ما هو فيه.
قال السعدي قدس سره :
جزء : 3 رقم الصفحة : 83
مجال سخن تانيابى مكوى
وميدان نبيني نكهدار كوى
﴿كذالك﴾ أي : مثل ذلك التزيين القوي وهو تزيين المشركين سب الله تعالى وعبادة الأوثان.
83