﴿زينا لكل أمة عملهم﴾ من الخير والشر والطاعة والمعصية بإحداث ما يمكنهم منه ويحملهم عليه توفيقا أو تخذيلا.
﴿ثم إلى ربهم﴾ مالك أمرهم ﴿مرجعهم﴾ أي : رجوعهم بالبعث بعد الموت.
﴿فينبئهم﴾ (س خبر دهد ايشانرا) من غير تأخير ﴿بما كانوا يعملون﴾ في الدنيا على الاستمرار من السيئات المزينة لهم وهو وعيد بالجزاء والعذاب كقول الرجل لمن يتوعده سأخبرك بما فعلت وفيه نكتة وهي إن كل ما يظهر في هذه النشأة من الأعيان والأعراض فإنما يظهر بصورة مستعارة مخالفة لصورته الحقيقية التي بها يظهر في النشأة الآخرة فإن المعاصي سموم قاتلة قد برزت في الدنيا بصورة يستحسنها نفوس العصاة كما نطقت به هذه الآية الكريمة وكذا الطاعات فإنها مع كونها أحسن الأحاسن قد ظهرت عندهم بصورة مكروهة ولذلك قال عليه السلام : "حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات" فأعمال الكفرة قد برزت لهم في هذه النشأة بصورة مزينة يستحسنها الطغاة وستظهر في النشأة الآخرة بصورتها الحقيقية المنكرة الهائلة فعند ذلك يعرفون أن أعمالهم ماذا فعبر عن إظهارها بصورها الحقيقية بالإخبار بها لما أن كلا منهما سبب للعلم بحقيقتهما ، كما هي كذا في "تفسير الإرشاد" ، ويظهر صور الأعمال القبيحة لأهل السلوك في البرزخ الدنيوي فيجتهدون في تبديلها حكي عن الشيخ أبي بكر الضرير رحمه الله قال : كان في جواري شاب حسن الوجه يصوم النهار ولا يفطر ويقوم الليل ولا ينام فجاءني يوما وقال يا أستاذ إني نمت عن وردي الليلة فرأيت كأن محرابي قد انشق وكأني بجوار قد خرجن من المحراب لم أر أحسن أوجها منهن وإذا فيهن واحدة شوهاء لم أر أقبح منها منظرا فقلت لمن أنتن ولمن هذه فقلن نحن لياليك التي مضين وهذه ليلة نومك فلو مت في ليلتك هذه لكانت هذه حظك ثم أنشأت الشوهاء تقول :
اسأل لمولاك وارددني إلى حالي
فأنت قبحتني من بين أشكالي
وقد أردت بخير إذا وعظت بنا
أبشر فأنت من المولى على حال
جزء : 3 رقم الصفحة : 83
قالت جارية من الحسان :
نحن الليالي اللواتي كنت تسهرها
تتلو القرآن بترجيع ورنات
وقد قال بعض الكبار : انكشاف عيب النفس خير من انكشاف الملكوت إذ المقصود إصلاح الطبيعة والنفس والأكل والشرب والمنام من الصفات البهيمية التي هي مقتضى الطبيعة.
وفي "التأويلات النجمية" : ﴿زينا لكل أمة عملهم﴾ من المقبولين أعمال أهل القبول ومن المردودين أعمال أهل الرد ﴿ثم إلى ربهم مرجعهم﴾ أي بأقدام تلك الأعمال كلا الفريقين يذهبون إلى ربهم [الأنعام : 108]﴿فينبئهم بما كانوا يعملون﴾ أما أهل القبول فيسلكون على أقدام الأعمال الصالحة طريق اللطف فينبئهم بالفضل والإحسان أنهم كانوا يحسنون وأما أهل الرد فيقطعون على أقدام المخالفات في بوادي القهر والهلكات فينبئهم بالعدل والخسران أنهم كانوا يسيئون انتهى وفي "المثنوي" :
جمله دانند هين اكرتو نكروى
هره مى كاريش روزي بدوري
وعن بعض الصالحين قال : كانت في جانبي عجوز قد أضنتها العبادة فسألتها أن ترفق بنفسها ،
84
فقالت : يا شيخ أما علمت أن رفقي بنفسي غيبني عن باب المولى ومن غاب عنه مشتغلا بالدنيا عرض نفسه للمحن والبلوى ، وما قدر عملي إذا اجتهدت فكيف إذا قصرت ثم قالت واسوأتاه من حسرة السباق وفجعة الفراق.
فأما حسرة السباق فإذا قام القائمون من قبورهم وركب الأبرار نجائب الأنوار وساروا إلى قصر من العز والجلال ورفعت لهم منازل المحبين وقدمت بين أيديهم نجائب المقربين وبقي المسبوق في جملة المخزونين فعند ذلك ينقطع فؤاده حسرة وتأسفا ويذوب ندامة وتلهفا ، وأما فجعة الفراق فعند تمييز الناس والافتراق وذلك أن الله سبحانه إذا جمع الخلق في صعيد واحد أمر ملكا فنادى أيها المجرمون امتازوا إن المتقين قد فازوا وهو قوله تعالى : ﴿وامتازوا اليوم أيها المجرمون﴾ (يس : 59) فيتميز الرجل من زوجته والولد من والدته والحبيب من حبيبه هذا يحمل مبجلا إلى رياض النعيم وهذا يساق مسلسلا مغلغلا إلى عذاب الجحيم وقد طال منهم التلفت والوداع ودموعهم تجري كالأنهار بفجعة الفراق وأنشدوا بالبين والفراق.
لو كنت ساعة بيننا ما بيننا
ورأيت كيف نكرر التوديعا
جزء : 3 رقم الصفحة : 83
لعلمت أن من الدموع لأبحرا
تجري وعاينت الدماء دموعا