تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جعلوا بتقدير قد أي والحال إنهم قد علموا أن الله خالقهم دون الجن وليس من يخلق كمن لا يخلق فالضمير للجاعلين ويحتمل أن يكون للجن أي والحال إنه تعالى خلق الجن فكيف يجعلون مخلوقه شريكا له.

﴿وخرقوا له﴾ أي : افتعلوا وافتروا له تعالى يقال خرق واخترق واختلق وافترى إذا كذب.

﴿بنين وبنات﴾ فقالت اليهود : عزير بن الله ، وقالت النصارى : المسيح ابن الله ، وقالت طائفة من العرب الملائكة بنات الله ﴿بغير علم﴾ بحقيقة ما قالوه من خطأ أو صواب بل رميا بقول عن عمي وجهالة من غير فكر ورؤية.

والباء متعلقة بمحذوف هو حال من فاعل خرقوا أي خرقوا ملتبسين بغير علم.

﴿سبحانه﴾ أي : تنزه تعالى بذاته تنزها لائقا به ، ﴿وتعالى﴾ من العلو ، أي : استعلى ويجوز في صفات الله تعالى علا ولا يجوز ارتفع لأن العلو قد يكون بالاقتدار والارتفاع يقتضي الجهة والمكان ولما في السبحان والتعالي من معنى التباعد قيل ﴿عما يصفون﴾ أي تباعد عما يصفونه من أن له شريكا أو ولدا.

جزء : 3 رقم الصفحة : 71

﴿بديع السماوات والارض﴾ أي : هو مبدع من غير مثال سبق لقطري العالم العلوي والسفلي بلا مادة فعل على الإطلاق منزه عن الانفعال بالمرة والوالد عنصر الولد منفعل بانتقال مادته عنه فكيف يكون له ولد فالفعيل بمعنى المفعل كالأليم والحكيم بمعنى المؤلم والمحكم والإضافة حقيقية وقيل هو من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها أي بديع سمواته وأرضه من بدع إذا كان على نمط عجيب وشكل فائق وحسن رائق.

﴿أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة﴾ أي : من أين أو كيف يوجد له ولد والحال أن أسباب الولادة منتفية فإن وجود الولد بلا والدة محال وإن أمكن بلا والد كعيسى عليه السلام والمراد بالصاحبة الزوجة.

وفي "المثنوي" :

لم يلد لم يولد است أو ازقدم

نى در دارد نه فرزندونه عم

﴿وخلق كل شىء﴾ انتظم بالتكوين والإيجاد من الموجودات التي من جملتها ما سموه ولدا له تعالى فكيف يتصور أن يكون المخلوق ولدا لخالقه :

خالق أفلاك وانجم برعلا

مردم وديو ورى ومرغ را

﴿وهو بكل شىء﴾ من شأنه أن يعلم كائنا ما كان مخلوقا أو غير مخلوق.

﴿عليم﴾ مبالغ في العلم أزلا وأبدا فلا يخفى عليه خافية مما كان وما سيكون من الذوات والصفات والأحوال التي من جملتها ما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز من المحالات التي كان ما زعموه فردا من أفرادها.

﴿ذالكم﴾ أي : ذلك الموصوف بتلك الصفات العظيمة أيها المشركون.

﴿الله﴾ المستحق للعبادة خاصة مبتدأ وخبره.

﴿ربكم﴾ أي : مالك أمركم.

جزء : 3 رقم الصفحة : 76

نيست خلقش را دكركس مالكي

شركتش دعوى كند جزهالكى

﴿لا إله إلا هو﴾ أي : لا شريك له أصلا ﴿خالق كل شىء﴾ مما كان وما سيكون فلا تكرار هذه أخبار مترادفة.

﴿فاعبدوه﴾ حكم مسبب عن مضمونها فإن من جمع هذه الصفات استحق العبادة خاصة ﴿وهو على كل شىء وكيل﴾ أي : وهو مع تلك الصفات متولي أموركم فكلوها إليه وتوسلوا بعبادته إلى إنجاح مآربكم الدنيوية والأخروية ورقيب على أعمالكم فيجازيكم.

قال الإمام الغزالي قدس سره : والوكيل ينقسم إلى من يفي بما وكل إليه وفاء تاما من غير قصور وإلى من لا يفي بالجميع والوكيل المطلق هو الذي يفي بالأمور الموكولة

76

إليه وهو ملى بالقيام بها وفي بإتمامها وذلك هو الله تعالى فقط وقد فهمت من هذا مقدار مدخل العبد في معنى هذا الاسم انتهى كلامه.

وعن الشيخ أبي حمزة الخراساني رحمه الله قال : حججت سنة من السنين فبينما أنا أمشي إذ وقعت في بئر فنازعتني نفسي أن استغيث فقلت : لا والله لا أستغيث فما استتم هذا الخاطر حتى مر برأس البئر رجلان فقال أحدهما للآخر : تعالى حتى نسد رأس هذا البئر لئلا يقع فيه أحد فأتيا بقصب وبارية وطمسا رأس البئر فهممت أن أصيح ، ثم قلت في نفسي ألجأ إلى من هو أقرب منهما وسكت وفوضت أمري إلى الله تعالى فبينما أنا بعد ساعة إذا بشيء جاء وكشف عن رأس البئر وأدلى رجله وكأنه يقول تعلق بي في همهمة منه كنت أعرف منها ذلك فتعلقت به فأخرجني فإذا هو سبع فمر وهتف بي هاتف يا أبا حمزة أليس هذا أحسن نجيناك من التلف بالتلف فالله تعالى قادر على ذلك وهو على كل شيء وكيل.

والإشارة في الآيات أن الله تعالى كما أخرج بماء اللطف والهداية من أرض القلوب لأربابها أنواع الكمالات أخرج بماء القهر والخذلان من أرض النفوس لأصحابها أنواع الضلالات حتى أشركوا بالله تعالى وقالوا ما قالوا من أسو المقال مع أنه تعالى متفرد بالذات والصفات والأفعال.

فعلى العاقل أن يستعيذ بالله من مكره وقهره ويستجلب بطاعته مزيد رضائه ورحمته ويقطع النظر عن الغير في كل شر وخير فإن الكل من الله تعالى وإن كان لا يرضى لعباده الكفر.

كناه اكره نبود اختيار ما حافظ

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٥٩