تودر طريق ادب كوش وكوكناه منست
اللهم لا تؤمنا مكرك فإنه لا يأمن منه إلا القوم الكافرون.
جزء : 3 رقم الصفحة : 76
﴿لا تدركه الابصار﴾ البصر حاسة النظر وقد تطلق على العين من حيث إنها محله وإدراك الشيء عبارة عن الوصول إليه والإحاطة به أي لا تصل إليه الأبصار ولا تحيط به.
﴿وهو يدرك الابصار﴾ أي : يحيط بها علمه ﴿وهو اللطيف الخبير﴾ فيدرك ما لا تدركه الأبصار ولهذا خص الأبصار بإدراكه تعالى إياها مع أنه يدرك كل شيء لأن الأبصار لا تدرك نفسها ولا يجوز في غيره أن يدرك البصر وهو لا يدركه ففيه دليل على أن الخلق لا يدركون بالأبصار كنه حقيقة البصر وهو الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه.
اعلم أن الإدراك غير الرؤية لأن الإدراك هو الوقوف على كنه الشيء والإحاطة به والرؤية المعاينة وقد تكون الرؤية بلا إدراك لأنه يصح أن يقال رآه وما أدركه ، فالإدراك أخص من الرؤية ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم ، فالله يجوز أن يرى من غير إدراك وإحاطة كما يعرف في الدنيا ولا يحاط به يعني إن معرفة الله تعالى ممكنة من حيث الارتباط بينه وبين الخلق وانتشاء العالم منه بقدر الطاقة البشرية إذ منه ما لا تفيه الطاقة البشرية وهو ما وقع به الكمل في ورطة الحيرة وأقروا بالعجز عن حق المعرفة وقالوا ما عرفناك حق معرفتك فذات الله تعالى من حيث تجرده عن النسب والإضافات لا يدرك ولهذا سئل النبي عليه السلام هل رأيت ربك قال : "نور إني أراه" أي : النور المجرد لا يمكن رؤيته وكذا أشار الحق في كتابه لما ذكر ظهور نوره في مراتب المظاهر قال الله تعالى : ﴿الله نور السماوات والارض﴾ (النور : 35) فلما فرغ من ذكر مراتب التمثيل قال : ﴿نور على نور﴾ (النور : 35) فأحد النورين هو الضياء
77
والآخر هو النور المطلق الأصلي ولهذا تمم فقال : ﴿يهدى الله لنوره من يشآء﴾ (النور : 35) أي : يهدي الله بنوره المتعين في المظاهر والساري فيها إلى نوره المطلق الأحدي فإنما تتعذر الرؤية والإدراك باعتبار تجرد الذات عن المظاهر والنسب والإضافات فأما في المظاهر ومن ورائية حجابية المراتب فالإدراك ممكن كما قيل :
كالشمس تمنعك اجتلاءك وجهها
فإذا اكتست برقيق غيم أمكنا وإلى مثل هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم في بيان الرؤية الجنانية المشبهة برؤية الشمس والقمر فأخبر عن أهل الجنة أنهم يرون ربهم وأنه ليس بينه وبينهم حجاب إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن فنبه صلى الله عليه وسلم على بقاء الرتبة الحجابية وهي رتبة المظهر وتحقيقه إن أهل الاعتزال بالغوا في نفي الرؤية واستدلوا على مذهبهم بما ورد في الصحيحين عن أبي موسى "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه" قالوا إن الرداء حجاب بين المرتدي والناظرين فلا تمكن الرؤية وجوابهم إنهم حجبوا وإن المرتدى لا يحتجب عن الحجاب إذ المراد بالوجه الذات وبرداء الكبرياء وإضافته للبيان والكبرياء رداؤه الذي يلبسه عقول العلماء بالله.
جزء : 3 رقم الصفحة : 76