﴿وهو﴾ أي : الله تعالى ﴿الذى أنزل من السمآء مآء﴾ خاصا هو المطر ثم التفت من الغيبة إلى التكلم فقال ﴿فأخرجنا﴾ بعظمتنا فالنون للعظمة لا الجمع فإن الملك العظيم يعبر عن نفسه بلفظ الجمع تعظيما له ﴿به﴾ أي : بسبب ذلك الماء مع وحدته.
﴿نبات كل شىء﴾ ينبت كنبات الحنطة والشعير والرمان والتفاح وغيرها فشيء مخصص فلا يلزم أن يكون لكل شيء نبات كالحجر مثلا والنبت والنبات ما يخرج من الأرض من الناميات سواء كان له ساق كالشجر أو لم يكن كالنجم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 71
فإن قيل : كيف جعل الله المطر سببا للنبات والفاعل بالسبب يكون مستعينا بفعل السبب والله تعالى مستغن عن الأسباب.
قيل : لأن المطر سبب يؤدي إلى النبات وليس بمولود له والله تعالى قادر على إنبات النبات بدون المطر وإنما يكون الفاعل بالسبب مستعينا بذلك السبب إذا لم يمكنه فعل ذلك الشيء إلا بذلك السبب كما أن الإنسان إذا لم يمكنه أن يصعد السطح إلا بالسلم فإن السلم آلة للصعود والظاهر أنه إذا صعد السطح بالسلم لم يكن السلم آلة له لأنه يمكنه أن يصعد السطح بدون السلم.
﴿فأخرجنا منه﴾ شروع في تفصيل ما أجمل من الإخراج وقد بدأ بتفصيل حال النجم أي فأخرجنا من النبات الذي لا ساق له شيئا غضا.
﴿خضرا﴾ بمعنى أخضر وهو ، الشيء الأخضر الخارج من النبات ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة.
﴿نخرج منه﴾ صفة لخضرا أي نخرج من ذلك الخضر المتشعب.
﴿حبا متراكبا﴾ هو السنبل المنتظم للحبوب المتراكبة بعضها فوق بعض على هيئة مخصوصة.
﴿ومن النخل﴾ شروع في تفصيل حال
73
الشجر إثر بيان حال النجم وهو خبر مقدم.
﴿من طلعها﴾ بدل منه بإعادة العامل وهو وشيء يخرج من النخل كأنه نعلان مطبقان والحمل بينهما منضود.
﴿قنوان﴾ مبتدأ ، أي : وحاصلة من طلع النخل قنوان جمع قنو وهو للثمر بمنزلة العنقود للعنب ﴿دانية﴾ سهلة المجتنى قريبة من القاطف فإنها وإن كانت صغيرة ينالها القاعد تأتي بالثمر لا تنتظر الطول أو ملتفة متقاربة وفيه اختصار معناه من النخل ما قنوانها دانية ومنها ما هي بعيدة فاكتفى بذكر القريبة عن البعيدة لأن النعمة في القريبة أكمل وأكبر وفي الحديث : "أكرموا عماتكم النخل فإنها خلقت من فضلة طينة آدم وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة ولدت تحتها مريم بنت عمران فأطعموا نساءكم الولد الرطب فإن لم يكن رطب فتمر" انتهى.
فظهر أن السبب في إطعام النفساء رطبا أن مريم رضي الله عنها كان أول ما أكلت حين وضع عيسى عليه السلام هو الرطب كما قال تعالى في سورة مريم : ﴿وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا﴾ (مريم : 25) وورد في فضيلة السفرجل أيضا أنه شكا بعض الأنبياء إلى الله تعالى من قبح أولاد أمته فأوحى الله إليه مرهم أن يطعموا نساءهم الحبالى السفرجل في الشهر الثالث والرابع لأن فيه تصور الجنين فإنه يحسن الولد.
أخرجنا به ﴿جنات﴾ بساتين كائنة ﴿من أعناب﴾ فهو عطف على نبات كل شيء ولعل زيادة الجنات هنا من غير اكتفاء بذكر اسم الجنس كما فيما تقدم وما تأخر لما أن الانتفاع بهذا الجنس لا يتأتى غالبا إلا عند اجتماع طائفة من أفراده وكل نبت متكاثف يستر بعضه بعضا فهو جنة من جن إذا استتر والأعناب جمع عنب وهو بالفارسية (انكور).
﴿والزيتون والرمان﴾ أي : وأخرجنا أيضا شجر الزيتون وشجر الرمان.
﴿مشتبها﴾ أوراقهما ومشتملا على الغصن من أوله إلى آخره في كليهما وهو حال.
﴿وغير متشابه﴾ ثمرهما.
جزء : 3 رقم الصفحة : 71
وفي "التفسير الفارسي".
(﴿مشتبها﴾ در حالتي كه آن درختان بعضي ببعضي ما نند دربرك ﴿وغير متشابه﴾ ونه ما نند يكديكر در طعم ميوه ه بعضي بغايت ترش ميباشد وبعضي شيرين وبرخي ترش وشيرين).
﴿انظروا﴾ يا مخاطبين نظر اعتبار ﴿إلى ثمره﴾ (بميوه هردرختي) ﴿إذآ أثمر﴾ إذا أخرج ثمره كيف يخرجه ضئيلا لا يكاد ينتفع به ﴿وينعه﴾ وإلى حال نضجه كيف يعود ضخما ذا نفع ولذة والينع في الأصل مصدر ينعت الثمرة إذا أدركت.
وقوله إذا أثمر ظرف لقوله انظروا أمر بالنظر في أول حال حدوث الثمرة وفي كمال نضجها مع كونها نابتة من أرض واحدة ومسقية بماء واحد ليعلم كيف تتبدل وتنتقل إلى أحوال مضادة للأحوال السابقة وحصول هذه التغيرات مسند إلى القادر الحكيم العليم المدبر لهذا العالم على وفق الرحمة والحكمة والمصلحة.