قال الحدادي : لتعرفوا بها الطرق من بلد إلى بلد في المفاوز ولجج البحار في الليالي المظلمة في السفن فإن من النجوم ما يجعله السائر تلقاء وجهه ، ومنها ما يجعله على يمينه.
ومنها ما يجعله على يساره ، ومنها ما يجعله خلفه ليظهر له الطريق التي تؤديه إلى بغيته ، وللنجوم فوائد أخر : وهي أنها زينة السماء ورمي الشياطين وغير ذلك.
﴿قد فصلنا الايات﴾ أي بينا الآيات الدالة على قدرتنا فصلا فصلا.
﴿لقوم يعلمون﴾ فإنهم المنتفعون بها.
﴿وهو الذى أنشأكم﴾ مع كثرتكم ﴿من نفس واحدة﴾ من نفس آدم وحدها فإنه خلقنا جميعا منه وخلق أمنا حواء من ضلع من أضلاع آدم فصار كل الناس محدثة مخلوقة من نفس واحدة حتى عيسى فإن ابتداء تكوينه من مريم التي هي مخلوقة من ماء أبويها ، وإنما من علينا بهذا لأن الناس إذا رجعوا إلى أصل واحد كانوا أقرب إلى أن يألف بعضهم بعضا.
جزء : 3 رقم الصفحة : 71
قال أهل الإشارة : إن الله تعالى كما خلق آدم ابتداء وجعل أولاده منه كذلك خلق روح محمد صلى الله عليه وسلم قبل الأرواح كما قال : "أول ما خلق الله روحي" ثم خلق الأرواح من روحه فكان آدم أبا البشر وكان محمد صلى الله عليه وسلم أبا الأرواح وإليه يشير قوله تعالى : ﴿وهو الذى أنشأكم من نفس واحدة﴾ ﴿فمستقر ومستودع﴾ كل واحد منهما مصدر ميمي مرفوع على الابتداء والخبر محذوف أي فلكم استقرار في الأصلاب أو فوق الأرض واستيداع في الأرحام أو تحت الأرض وجعل صلب الأب مستقر النطفة ورحم الأم مستودعا لها لأن النطفة حصلت في صلب الأب لا من قبل الغير وحصلت في رحم الأم بفعل الغير فأشبهت الوديعة كأن الرجل أودعها ما كان مستقرا عنده.
وقال الحسن : يا ابن آدم أنت وديعة في أهلك ويوشك أن تلحق بصاحبكم وأنشد قول لبيد :
وما المال والأهلون إلا وديعة
ولا بد يوما أن ترد الودائع والقلب أيضا من الودائع والأمانات.
قال الصائب :
ترا بكوهر دل كرده اند امانتدار
نه دزد امانت حق را نكاه دار مخسب
﴿قد فصلنا الايات﴾ المبينة لتفاصيل خلق البشر من هذه الآية ونظائرها ﴿لقوم يفقهون﴾ غوامض الدقائق باستعمال الفطنة وتدقيق النظر وإنما ذكر مع ذكر النجوم يعلمون ومع ذكر تخليق بني آدم يفقهون لأن ذلك إشارة إلى آيات الآفاق وهذا إلى آيات الأنفس ولا شك أن آيات الآفاق أظهر وأجلى وآيات الأنفس أدق وأخفى فكان ذكر الفقه لها أنسب وأولى لأن الفقه عبارة عن الوقوف على المعنى الخفي وأصل تركيب الفقه يدل على الشق والفتح والفقيه العالم الذي يشق الأحكام ويفتش عن حقائقها ويفتح ما استغلق منها فالفقه إنما يطلق حيث يكون فيه حذاقة وتدقيق نظر.
قال الحدادي : الفقه في اللغة هو الفهم لمعنى الكلام إلا أنه قد جعل في العرف عبارة عن علم الغيب على معنى إنه استدراك معنى الكلام بالاستنباط من الأصول ولهذا لا يجوز أن يوصف الله تعالى بأنه فقيه لأنه لا يوصف بالعلم على جهة الاستنباط ولكنه عالم جميع الأشياء على وجه أحد انتهى.
جزء : 3 رقم الصفحة : 71
ثم هذه الآيات الآفاقية والأنفسية تفصح عن صنع الله البديع وتدعو أهل الشرك إلى التوحيد والايمان وأهل الإخلاص إلى الشهود
72
والعيان وأهل المعصية إلى الطاعة والتوبة باللسان والجنان فإن الامتنان بذكر النعم الجليلة يستدعي شكرا لها ومعرفة لحقها ولكل قوم وفريق سلوك إلى طريق التحقيق على حسب ما أنعم عليه من توحيد الأفعال والصفات والذات فعلى العاقل أن يجتهد في طلب الحق فإن المقصود من ترتيب مقدمات العوالم آفاقية كانت أو أنفسية هو الوصول إلى الظاهر من جهة المظاهر وإنما أصل الحجاب هو الغفلة وحكي أن الشيخ أبا الفوارس شاهين بن شجاع الكرماني رحمه الله خرج للصيد وهو ملك كرمان فامعن في الطلب حتى وقع في برية مقفرة وحده فإذا هو بشاب راكب على سبع وحوله سباع فلما رأته ابتدرت نحوه فزجرها الشاب عنه فلما دنا إليه سلم عليه وقال له يا شاه ما هذه الغفلة عن الله اشتغلت بدنياك عن آخرتك وبلذتك وهواك عن خدمة مولاك إنما أعطاك الله الدنيا لتستعين بها على خدمته فجعلتها ذريعة إلى الاشتغال عنه فبينما الشاب يحدثه إذ خرجت عجوز بيدها شربة ماء فناولتها الشاب فشرب فدفع باقيه إلى الشاه فشربه فقال ما شربت شيئا ألذ منه ولا أبرد ولا أعذب ثم غابت العجوز فقال الشاب هذه الدنيا وكلها الله إلى خدمتي فما احتجت إلى شيء إلا أحضرته إلي حين يخطر ببالي أما بلغك أن الله تعالى لما خلق الدنيا قال لها : (يا دنيا من خدمني فاخدميه ومن خدمك فاستخدميه) فلما رأى ذلك تاب وكان منه ما كان وأنشد بعضهم :
خدمت لما إن صرت من خدمك
ودار عندي السرور من نعمك
وكانت الحادثات تطرقني
فاستحشمتني إذ صرت من حشمك اللهم اجعلنا من الملازمين لبابك ولا تقطعنا عن جنابك.