تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿إن الله فالق الحب﴾ الفلق الشق بإبانة ، والحب : جمع حبة وهي اسم لجميع البزور المقصودة بذواتها كالبر والشعير والذرة ونحوها ، والمعنى شاق الحب بالنبات أي يشق الحبة اليابسة فيخرج منها ورق أخضر.

﴿والنوى﴾ واحدتها نواة وهي الشيء الموجود في داخل الثمر مثل نواة الخوج والمشمش والتمر ونحوها والمعنى شاق النوى بالشجر ، أي : يشق النواة الصلبة فيخرج شجرة ذات أوراق وأغصان.

﴿يخرج الحى من الميت﴾ بيان لما قبله أي يخرج ما ينمو من الحيوان والنبات مما لا ينمو من النطفة والحب.

﴿ومخرج الميت﴾ كالنطفة والحب ﴿من الحى﴾ كالحيوان والنبات وهو معطوف على فالق الحب ، فالحي والميت مجاز عن النامي والجامد تشبيها للنامي بالحي والحي حقيقة فيما يكون موصوفا بالحياة المستتبعة للحس والحركة الإرادية والميت حقيقة فيما يكون خاليا عن صفة الحياة ممن تكون الحياة من شأنه ، ومنهم من حمل اللفظ على الحقيقة وقال يخرج من النطفة الميتة بشرا حيا ومن الدجاجة بيضة ميتة.

جزء : 3 رقم الصفحة : 63

قال ابن عباس رضي الله عنهما : يخرج المؤمن من الكافر كما في حق إبراهيم عليه السلام والكافر من المؤمن كما في حق ولد نوح عليه السلام والعاصي من المطيع وبالعكس والعالم من

70

الجاهل وبالعكس والعاقل من الأحمق وبالعكس.

والإشارة يخرج نخل الإيمان من نوى الحروف الميتة في كلمة لا إله إلا الله ومخرج ميت النفاق من الكلمة الحية وهي لا إله إلا الله.

﴿ذالكم﴾ القادر العظيم الشأن.

﴿الله﴾ المستحق للعبادة وحده.

﴿فأنى تؤفكون﴾ فكيف تصرفون عن عبادته إلى غيره ولا سبيل إليه أصلا.

والإفك في اللغة قلب الشيء وصرفه والخطاب لكفار قريش لأن السورة مكية.

﴿فالق الاصباح﴾ خبر آخر لإن.

والإصباح : بكسر الألف مصدر بمعنى الدخول في ضوء النهار سمي به الصبح أي فالق عمود الفجر عن بياض النهار وإسفاره.

﴿وجعل اليل سكنا﴾ يسكن إليه التعب بالنهار لاستراحته من سكن إليه إذا اطمأن إليه استئناسا به أو سكن فيه الخلق من قوله تعالى : ﴿لتسكنوا فيه﴾ (يونس : 67) ﴿والشمس والقمر﴾ أي : وجعلهما.

﴿حسبانا﴾ أي : على أدوار مختلفة يحسب بها الأوقات فإنه تعالى قدر حركه الشمس بمقدار من السرعة والبطء بحيث تتم دورتها في سنة وقدر حركة القمر بحيث تتم الدورة في شهر وبهذا التقدير تنتظم المصالح المتعلقة بالفصول الأربعة كنضج الثمار وأمور الحرث والنسل ونحو ذلك مما يتوقف عليه قوام العالم وباختلاف منازل القمر وتجدد الأهلة في كل شهر يعلم آجال الديون ومواقيت الأشياء فمعنى جعل الشمس والقمر حسبانا جعلهما علمي حساب.

فالحسبان بالضم مصدر بمعنى الحساب والعد وبابه نصر ، وأما الحسبان : بكسر الحاء فهو من باب علم ومعناه الظن والتخمين وتقديم الشمس لضيائها على القمر لأنها معدن الأنوار الفلكية من البدور والنجوم وأصلها في النورانية وإن أنوارهم مقتبسة من نور الشمس على قدر تقابلهم وصفوة أجرامهم.

قال حضرة الشيخ الشهير بأفتاده أفندي قدس سره : نور القمر ليس من نفسه وإنما هو من عالم الأنوار فهو ليس بناقص في ذاته وإنما ذلك بسبب عروض الكثافة بالتدريج ولولا ذلك لم تعرف الشهور والسنون والشمس والقمر عينا هذا التعين وظاهرهما إلى الفوق والذي نراه جانبهما الداخل فهو تارة يفتح عينيه وأخرى يغمض كما أنا نفعل كذلك والكواكب ليست مركوزة فيه وإنما هي بانعكاس الأنوار في بعض عروقه اللطيفة والذي يرى كسقوط النجم فكدفع الشمس من موضع إلى موضع وهذا لا يطلع عليه الحكماء ، وإنما يعرفه أهل السلوك ثم قال الليل والنهار في عالم الآخرة ليسا بالظلمة والضياء بل لهما علامة أخرى بتجلى من التجليات فيعرفون به الليل والنهار وكيف يكون الليل هنا بالظلمة وقد قال عليه السلام : "لو خرج ورق من أوراقها إلى الدنيا لأضاء العالم" انتهى كلامه ﴿ذالك﴾ إشارة إلى جعلهما حسبانا ، أي : ذلك التسيير البديع بالحساب المعلوم.

﴿تقدير العزيز﴾ الذي قهرهما وسيرهما على الوجه المخصوص.

﴿العليم﴾ بما فيهما من المنافع والمصالح المتعلقة بمعاش الخلق ومعادهم.

قال السعدي :

ابر وباد ومه وخورشيد وفلك دركارند

تاتو نانى بكف آرى وبغفلت نخورى

همه ازبره توسر كشته وفرمان بردار

شرط انصاف نباشد كه توفرمان مبرى

جزء : 3 رقم الصفحة : 63

﴿وهو الذى﴾ (واوست خداونديكه بقدرت كامله) ﴿جعل لكم﴾ أي : أنشأ لأجلكم وأبدع.

﴿النجوم﴾ التي تختلف مواضعها من جهة الشمال والجنوب والصبا والدبور.

71

﴿لتهتدوا بها فى ظلمات البر والبحر﴾ أي : في ظلمات الليل في البر والبحر وإضافتها إليهما للملابسة فإن الحاجة إلى الاهتداء بها إنما تحقق عند ذلك.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٥٥