ثم قال الشافعي : كان ملك في الزمان الأول كثير اللحم جدا فجمع المتطببين وقال احتالوا حيلة تخف عني لحمي هذا قليلا فما قدروا فنقبوا له رجلا عاقلا أديبا متطببا وبعثوه فأشخص إليه بصره وقال أيعالجني ذلك الفتى قال أصلح الله الملك أنا رجل متطبب منجم دعني أنظر الليلة في طالعك أي دواء يوافق فأشفيك فهدأ عليه فقال : أيها الملك الأمان قال لك الأمان قال : رأيت طالعك يدل على أن عمرك شهر فمتى أعالجك وإن أردت بيان ذلك فاحبسني عندك فإن كان لقولي حقيقة فخل عني وإلا فاقتص مني قال فحبسه ثم رفع الملك الملاهي واحتجب عن الناس وخلا وحده مغتما ما يرفع رأسه يعد الأيام كلما انسلخ يوم ازداد غما حتى هزل وخف لحمه ومضى لذلك ثمانية وعشرون يوما فبعث إليه فأخرجه فقال ما ترى فقال أعز الله الملك أنا أهون على الله من أن أعلم الغيب
65
والله ما أعرف عمري فكيف أعرف عمرك إنه لم يكن عندي دواء إلا الهم فم أقدر أجلب إليك الهم إلا بهذه العلة فأذابت شحم الكلى فأجازه وأحسن إليه.
جزء : 3 رقم الصفحة : 63
والثالث : ما في قوله تعالى : ﴿قل الله﴾ من لطائف العبارات من أهل الإشارات.
قال في "التفسير الفارسي" : (شيخ أبو سعيد أبو الخير قدس سره در كلمه ﴿قل الله ثم ذرهم﴾ فرموده كه الله بس وما سواه هوس وانقطع النفس.
وشيخ الإسلام فرموده كه ﴿قل الله﴾ دل سوى اوداد ﴿ثم ذرهم﴾ غير اور افرو كذار.
وشبلى بابعض أصحاب خود ميكفت كه عليك بالله ودع ما سواء).
ون تفرقه دلست حاصل زهمه
دلرا بيكي سار وبكسل زهمه
فالآية بإشارتها تدل على أن من أراد الوصول إلى الله تعالى فلينقطع عما سواه فإنه لعب ولهو واللاهي واللاعب ليس على شيء نسأل الله سبحانه أن يحفظنا من اشتغال بما سواه.
والرابع : مدح القرآن وبيان فضيلته وفائدته.
قال أحمد بن حنبل : رأيت رب العزة في المنام فقلت يا رب ما أفضل ما تقرب به المتقربون إليك؟ قال كلامي يا أحمد ، قلت يا رب بفهم أم بغير فهم؟ قال : بفهم وبغير فهم والنظر إلى المصحف عبادة برأسه وله أجر على حدته ما عدا أجر القراءة.
وعن حميد بن الأعرج قال : من قرأ القرآن وختمه ، ثم دعا أمن على دعائه أربعة آلاف ملك ، ثم لا يزالون يدعون له ويستغفرون ويصلون عليه إلى المساء أو إلى الصباح.
فعلى العاقل أن يجتهد حتى يختم القرآن في أوائل الأيام الصيفية والليالي الشتائية ليستزيد في دعائهم واستغفارهم وفي الحديث "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" وينبغي أن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يطلب عوضا ولا يقصد جزاء ولا شكورا ، بل يعلم للتقرب إلى الله تعالى ويقتدي بالأنبياء حيث قدم كل واحد منهم على دعوته قوله : ﴿لا أسالكم عليه أجرا﴾ (الشورى : 23).
قال في "الأسرار المحمدية" : من أخذ الجراية ليتعلم فهي له حلال ولكن من تعلم ليأخذ الجراية فهي عليه حرام.
وفيه أيضا لا يتخذ صحيفة القرآن إذا درست وقاية للكتب بل يمحوها بالماء وكان من قبلنا يستشفي بذلك الماء وينبغي لقارىء القرآن أن يجود ويحسن صوته وفي الحديث : "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" وحسنوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا قيل : أراد بالتغني الاستغناء ، وقيل الترنم وترديد الألحان ، وهو أقرب عند أهل اللغة كذا في "الأسرار" ويحكى عن ظهير الدين المرغيناني أنه قال : من قال لمقرىء زماننا أحسنت عند قراءته يكفر كذا في "شرح الهداية" لتاج الشريعة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 63
وقال في "البزازية" من يقرأ القرآن بالألحان لا يستحق الأجر ؛ لأنه ليس بقارىء قال الله تعالى : ﴿قرءانا عربيا غير ذى عوج﴾ (الزمر : 28) انتهى.
وسأل الحجاج بعض جلسائه عن أرق الصوت عندهم ، فقال أحدهم : ما سمعت صوتا أرق من صوت قارىء حسن الصوت يقرأ كتاب الله تعالى في جوف الليل ، قال : ذلك الحسن ، وقال : آخر ما سمعت صوتا أعجب من أن أترك امرأتي ماخضا وأتوجه إلى المسجد بكيرا فيأتيني آت ، فيبشرني بغلام ، فقال : واحسناه ، فقال شعبة بن علقمة التميمي : لا والله ما سمعت أعجب إلي من أن أكون جائعا فأسمع خفخفة الخوان ، فقال الحجاج : أبيتم يا بني تميم إلا حب الزاد والمقصود من هذه الحكاية بيان اختلاف مشارب الناس فمن أحب الله وأنس بكلامه وتجرد عن الأعراض ، وكان القارىء متحاشيا من الأنغام الموسيقية وألحان أهل الفسق
66
قارئا على لحون العرب محسنا صوته فلا مجال للطعن فيه والدخل ظاهرا وباطنا والله أعلم.