﴿وهاذآ﴾ القرآن.
﴿كتاب أنزلناه﴾ وصفه به ليعلم أنه هو الذي تولى إنزاله بالوحي على لسان جبريل وليس تركيب ألفاظه على هذه الفصاحة من قبل الرسول.
﴿مبارك﴾ أي : كثير الفائدة والنفع وكيف وقد أحاط بالعلوم النظرية والعملية فإن أشرف العلوم النظرية هو معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه ، ولا يوجد كتاب يفيد معرفة هذه الأمور مثل ما أفاده القرآن ، وأما العلوم العملية فالمطلوب منها إما إعمال الجوارح وإما إعمال القلوب وهي المسمى بعلم الأخلاق وتزكية النفس فإنك لا تجد شيئا منهما مثل ما تجده في القرآن العظيم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 63
قال في "التأويلات النجمية" : ﴿مبارك﴾ على العوام بأن يدعوهم إلى ربهم.
وعلى الخواص بأن يهديهم إلى ربهم ، وعلى خواص الخواص بأن يوصلهم إلى ربهم ويخلقهم بأخلاقه وفي كتاب "المحبوب شفاء لما في القلوب" كما قيل :
وكتبك حولي لا تفارق مضجعي
وفيها شفاء للذي أنا كاتمه
اين ه منشور كريمست كه ازهر شكنش
بوى جان رور احسان وعطامى آيد
اين ه انفاس روان بخش عبير افشانست
كه ازو رائحه مشك خطا مى آيد
﴿مصدق الذى بين يديه﴾ من التوراة لنزوله حسبما وصف فيها.
﴿ولتنذر أم القرى﴾ عطف على ما دل عليه مبارك ، أي : للبركات ولإنذارك أهل أم القرى فالمضاف محذوف والمراد بأم القرى مكة وسميت بها لأن الأرض دحيت من تحتها فهي أصل الأرض كلها كالأم أصل النسل.
قال الكاشفي في "تفسيره الفارسي" قرى جمع قرية است واورا ازقرا كرفته اند بمعنى جمع است س هرجاكه مجتمعي باشد ازشهروده انرا قرية توان كفت.
﴿ومن حولها﴾ أهل الشرق والغرب.
قال في "التأويلات النجمية" : أم القرى هي الذرة المودعة في القلب التي هي المخاطب في الميثاق ، وقد دحيت جميع أرض القالب من تحتها ومن حولها من الجوارح والأعضاء والسمع والبصر والفؤاد والصفات والأخلاق بأن يتنوروا بأنواره وينتفعوا بأسراره ويتخلقوا بأخلاقه.
﴿والذين يؤمنون بالاخرة﴾ وبما فيها من أنواع العذاب.
﴿يؤمنون به﴾ أي : بالكتاب لأنهم يخافون العاقبة ولا يزال الخوف يحملهم على النظر والتأمل حتى يؤمنوا به.
﴿وهم على صلاتهم يحافظون﴾ يعني : المؤمنون بالكتاب يداومون على الصلوات الخمس التي هي أشرف التكاليف والطاعات ولذا خصص محافظتها
64
من بين سائر العبادات.
وفي الآيات أمور :
الأول : أن المخلوق لا يقدر قدر الخالق ولا يدركه باعتبار كنه ذاته وتجرده عن التعينات الاسمائية والصفاتية.
بخيال درنكنجد توخيال خود مرنجان
فكل من عرف الله بآلة محلوقة فهو على الحقيقة غير عارف ومن عرفه بآلة قديمة كما قال بعضهم عرفت ربي بربي فقد عرف الله ، ولكن على قدر استعداده في قبول فيض نور الربوبية الذي به عرف الله على قدره ؛ لأنها بنيت ذاته وصفاته فالذي يقدر الله حق قدره هو الله تعالى لا غيره.
جزء : 3 رقم الصفحة : 63
كنه خردم در خور إثبات تونيست
داننده ذات توبخزذات تونيست
ما للترات ورب الأرباب.
والثاني : ذم السمن كما عرف في سبب النزول
قال ابن الملك : السمن المذموم ما يكون مكتسبا بالتوسع في المأكل لا ما يكون خلقة وفي الحديث "ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة واقرؤوا إن شئتم ﴿فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا﴾ .
قال العلماء : معنى هذا الحديث إنه لا ثواب لهم وأعمالهم مقابلة بالعذاب فلا حسنة لهم توزن في موازين القيامة ومن لا حسنة له فهو في النار.
قال القرطبي في "تذكرته" : وفيه من الفقه ذم السمن لمن تكلفه لما في ذلك من تكلف المطاعم والاشتغال بها عن المكارم بل يدل على تحريم كثرة الأكل الزائد على قدر الكفاية المبتغى به الترفه والسمن انتهى.
وفي الفروع : إن الأكل فرض إن كان لدفع هلاك نفسه ، ومأجور عليه إن كان لتمكينه من صومه وصلاته قائما ، ومباح إلى الشبع ليزيد قوته ، وحرام فوق الشبع إلا لقصد قوة صوم الغد ولئلا يستحيي ضيفه.
قال السعدي قدس سره :
باندازه خورزاد اكرمر دمي
نين رشكم آدمي يا خمي
ندارند تن روان آكهي
كه رمعده باشد زحكمت تهى
قال الإمام السخاوي في "المقاصد الحسنة" في الحديث : "إن الله يكره الحبر السمين" وفي التوراة "إن الله ليبغض الحبر السمين" وفي رواية "إن الله يبغض القارىء السمين".
قال الشافعي رحمه الله : ما أفلح سمين قط إلا أن يكون محمد بن الحسن ، فقيل له : ولم؟ قال لأنه لا يفكر والعاقل لا يخلو من إحدى حالتين إما أن يهم لآخرته ومعاده أو لدنياه ومعاشه والشحم مع الهم لا ينعقد فإذا خلا من المعنيين صار في حد البهائم بعقد الشحم.