تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿فلما رءا الشمس بازغة﴾ أي : مبتدئة في الطلوع ﴿قال هاذا﴾ الجرم المشاهد.

﴿ربى هاذآ أكبر﴾ من الكوكب والقمر وهو تأكيد لما رامه من إظهار النصفة بقوله ﴿لاكونن من القوم الضآلين﴾ ﴿فلمآ أفلت﴾ كما أفل الكوكب والقمر وقويت عليهم الحجة ولم يرجعوا ﴿قال﴾ مخاطبا للكل صادعا بالحق بين أظهرهم.

يا قوم إنى برىاء مما تشركون} بالله تعالى من الأصنام والأجرام المحتاجة إلى محدث فقالوا له ما تعبد قال : ﴿إنى وجهت وجهى﴾ ، أي : أخلصت ديني وعبادتي وجعلت قصدي.

﴿للذى فطر السماوات والارض﴾ أيالذي خلقهما ﴿حنيفا﴾ أي : مائلا عن الأديان الباطلة كلها إلى الدين الحق ميلا لا رجوع فيه.

﴿ومآ أنا من المشركين﴾ به تعالى في شيء من الأفعال والأقوال وهذه حال من كملت صقالة مرآة قلبه عن طبع الطبع وتنزهت عن ظلمة هوى النفس وشهواتها فإنه لا يلتفت إلى الأجرام والأكوان بل إلى اليمين والشمال لأن شوق الخلة إلى الحضرة نصبه في محاذاة ذاته المقدسة عن الجهة.

قال في "المثنوي" :

جزء : 3 رقم الصفحة : 57

آفتاب از امر حق طباخ ماست

ابلهي باشد كه كوئيم أو خداست

آفتابت كر بكيرد ون كنى

آن سياهى زوتوون بيرون كنى

نى بدركاه خدا آرى صداع

كه سياهى را ببر داده شعاع

كر كشندت نيم شب خورشيدكو

تابنالى يا امان خواهى ازو

حادثات اغلب بشب واقع شود

وان زمان معبودتو غائب شود

سوى حق كرر استانه خم شوى

وارهى از اختران محرم شوى

﴿وحآجه قومه﴾ أي : جادلوه في دينه وهددوه بالأصنام أن تصيبه بسوء إن تركها.

﴿قال أتحاجوانى﴾ بنون ثقيلة أصله أتحاجونني بنونين أولاهما نون الرفع والثانية نون الوقاية فاستثقل اجتماعهما فأدغم الأولى في الثانية ، أي : أتجادلونني.

﴿فى الله﴾ أي في شأنه تعالى ووحدانيته ﴿وقد هداان﴾ أي : والحال إن الله تعالى هداني إلى الحق.

﴿ولا أخاف ما تشركون به﴾ أي : ما تشركون به تعالى من الأصنام أن يصيبني بسوء لعدم قدرتها على شيء.

﴿إلا أن يشآء ربى شياا﴾ استثناء متصل والمستثنى منه وقت محذوف والتقدير لا أخاف معبوداتكم في وقت من الأوقات إلا وقت مشيئته تعالى شيئا من إصابة مكروه بي من جهتها وذلك إنما يكون من جهته تعالى من غير دخل لآلهتكم فيه أصلا.

﴿وسع ربى كل شىء علما﴾ كأنه تعليل

57

للاستثناء أي أحاط بكل شيء علما فلا يبعد أن يكون في علمه تعالى أن يحيق به مكروه من قبلها بسبب من الأسباب لا بالطعن فيها.

﴿أفلا تتذكرون﴾ أي : أتعرضون عن التأمل في أن آلهتكم جمادات غير قادرة على شيء ما من نفع ولا ضر فلا تتذكرون أنها غير قادرة على إضراري.

جزء : 3 رقم الصفحة : 57

﴿وكيف أخاف مآ أشركتم﴾ بالله من الأصنام وهي لا تضر ولا تنفع والاستفهام إنكار الوقوع ونفيه بالكلية.

﴿ولا تخافون أنكم أشركتم بالله﴾ حال من ضمير أخاف بتقدير مبتدأ أي وكيف أخاف أنا ما ليس في حيز الخوف أصلا وأنتم لا تخافون غائلة ما هو أعظم المخوفات وأهوالها وهو إشراككم بالله الذي ليس كمثله شيء في الأرض ولا في السماء ما هو من جملة مخلوقاته وإنما عبر عنه بقوله : ﴿ما لم ينزل به﴾ أي : بإشراكه.

﴿عليكم سلطانا﴾ أي : حجة وبرهانا على طريقة التهكم مع الإيذان بأن الأمور الدينية لا يعول فيها إلا على الحجة المنزلة من عند الله تعالى.

﴿فأى الفريقين أحق بالامن﴾ أنحن أم أنتم.

قال المولى أبو السعود : المراد بالفريقين الفريق الآمن في محل الأمن والفريق الآمن في محل الخوف.

﴿إن كنتم تعلمون﴾ من أحق به فأخبروني.

﴿الذين ءامنوا﴾ أي أحد الفريقين الذين آمنوا ﴿ولم يلبسوا إيمانهم﴾ أي : لم يخلطوه ﴿بظلم﴾ أي : بشرك كما يفعله الفريق المشركون حيث يزعمون أنهم يؤمنون بالله تعالى وأن عبادتهم للأصنام من تتمات إيمانهم وأحكامه لكونها لأجل التقريب والشفاعة كما قالوا : ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى﴾ (الزمر : 3) وهذا معنى الخلط ﴿أولئك لهم الامن﴾ فقط من العذاب.

﴿وهم مهتدون﴾ إلى الحق ومن عداهم في ضلال مبين.

جزء : 3 رقم الصفحة : 58

﴿وتلك﴾ إشارة إلى ما احتج به إبراهيم على قومه من قوله : ﴿فلما جن﴾ (الأنعام : 76) إلى قوله : ﴿وهم مهتدون﴾ (الأنعام : 82) ﴿حجتنآ﴾ الحجة عبارة عن الكلام المؤلف للاستدلال على الشيء ﴿إبراهيم على﴾ أي أرشدناه إليها أو علمناه إياها وهو حال من حجتنا لا صفة لأنها معرفة بالإضافة.

﴿على قومه﴾ متعلق بحجتنا.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٤٥