تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبصرناه وصيغة الاستقبال حكاية للحال الماضية لاستحضار صورتها.

فإن قيل : رؤية البصيرة حاصلة لجميع الموحدين كرؤية البصر ومقام الامتنان يأبى ذلك.

جزء : 3 رقم الصفحة : 54

والجواب : أنهم وإن كانوا يعرفون أصل دليل الربوبية إلا أن الاطلاع على آثار حكمة الله تعالى في كل واحد من مخلوقات هذا العالم بحسب أجناسها وأنواعها وأشخاصها وأحوالها مما لا يحصل إلا لأكابر الأنبياء ولهذا كان عليه السلام يقول في دعائه "أرنا الأشياء كما هي".

قال في "التأويلات النجمية" :

اعلم : أن لكل شيء من العالم ظاهرا.

يعبر عنه تارة بالجسماني لما له من الأبعاد الثلاثة من الطول والعرض والعمق ولتحيزه وقبول القسمة والتجزي ، وتارة بالدنيا لدنوها إلى الحس.

وتارة بالصورة لقبول التشكل ولإدراكه بالحس ، وتارة بالشهادة لشهوده في الحس ، وتارة بالملك لتملكه والتصرف فيه بالحس ، وباطنا يعبر عنه تارة بالروحاني لخلوه عن الأبعاد الثلاثة وعن التحيز والتجزي في الحس ، وتارة بالآخرة لتأخره عن الحس ، وتارة بالمعنى لتعريه عن التشكل وبعده عن الحس ، وتارة بالغيب لغيبوبته عن الحس ، وتارة بالملكوت لملاك عالم الملك والصورة به فإن قيام الملك بالملكوت وقيام الملكوت بقدرة الحق كما قال الله تعالى : ﴿فسبحان الذى بيده ملكوت كل شىء وإليه ترجعون﴾ (يس : 83) أي : من طريق الملكوت والملكوت من الأوليات التي خلقها الله تعالى من لا شيء بأمركن إذ كان الله ولم يكن معه شيء يدل عليه قوله : ﴿أولم ينظروا فى ملكوت السماوات والارض وما خلق الله من شىء﴾ (الأعراف : 185) فنبه على أن الملكوت لم يخلق من شيء وما سواه خلق من شيء وقد سمى الله تعالى ما خلق بالأمر أمرا وما خلق من الشيء خلقا فقال : ﴿ألا له الخلق والامر﴾ (الأعراف : 54) فالله تعالى أرى إبراهيم ملكوت الأشياء والآيات المودعة فيها الدالة على التوحيد انتهى وقد أطلق العلماء الملك على ما يدرك بالبصر والملكوت على ما يدرك بالبصيرة فالملكوت لا ينكشف لأرباب العقول بل لأصحاب القلوب فإن العقل لا يعطي إلا الإدراك الناقص بخلاف الكشف تلك المكاشفة لا تحصل إلا لأهل المجاهدة فإنها ثمرة المجاهدة وهي مما يعز : مناله جدا اللهم اجعلنا من أهل العيان دون السامعين للأثر.

﴿وليكون من الموقنين﴾ اللام متعلقة بمحذوف مؤخر والجملة اعتراض مقرر لما قبلها ، أي : ليكن من زمرة الراسخين في الإيقان البالغين درجة عين اليقين من معرفة الله تعالى فعلنا ما فعلنا من التبصير البديع المذكور لا لأمر آخر فإن الوصول إلى تلك الغاية القاصية كمال مترتب على ذلك التبصير لا عينه وليس القصر لبيان انحصار فائدته في ذلك كيف لا وإرشاد الخلق وإلزام المشركين من فوائده بل لبيان أنه الأصل الأصيل والباقي من مستتبعاته.

جزء : 3 رقم الصفحة : 54

﴿فلما جن عليه اليل﴾ أي : ستره بظلامه ﴿رءا كوكبا﴾ جواب لما فإن رؤيته إنما تحقق بزوال نور الشمس عن الحس وهذا صريح في أنه لم يكن في ابتداء الطلوع بل كان غيبته عن الحس بطريق الاضمحلال بنور الشمس والتحقيق إنه كان قريبا من الغروب قيل كان ذلك هو الزهرة وقيل هو المشتري وكلاهما من الكواكب السبعة السيارة.

﴿قال﴾ كأنه قيل فماذا صنع عليه السلام حين رأى الكوكب فقيل قال على سبيل الموافقة مع الخصم.

﴿هاذا ربى﴾ وكان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والكواكب والمستدل على فساد قول يحكيه على رأي خصمه ثم يكر عليه بالإبطال.

﴿فلمآ أفل﴾ أي : غرب

56

﴿قال لا أحب الافلين﴾ أي : الأرباب المنتقلين من مكان إلى مكان المتغيرين من حال إلى حال المحتجبين بالأستار فإنهم بمعزل عن استحقاق الربوبية قطعا.

جزء : 3 رقم الصفحة : 54

﴿فلما رءا القمر بازغا﴾ أي : مبتدئا في الطلوع إثر غروب الكوكب ﴿قال هاذا ربى فلمآ أفل﴾ كما أفل النجم ﴿قال لئن لم يهدنى ربى﴾ إلى جنابه ﴿لاكونن من القوم الضآلين﴾ تعريض لقومه بأنهم على ضلال ولعله عليه السلام كان إذ ذاك في موضع كان من جانبه الغربي جبل شامخ يستتر به الكواكب والقمر وقت الظهر من النهار أو بعده بقليل وكان الكوكب قريبا منه وأفقه الشرقي مكشوف وإلا فطلوع القمر بعد أفول الكوكب ثم أفوله قبل طلوع الشمس مما لا يكاد يتصور.

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٤٤