إذا قدم على المعصية.
﴿أولئك﴾ المتخذون دينهم لعبا ولهوا المغترون بالحياة الدنيا.
﴿الذين أبسلوا﴾ أي أسلموا إلى العذاب.
﴿بما كسبوا﴾ بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الزائغة.
وفي "التفسير الفارسي" : (آن كروه آن كسانندكه سرده شده اند بملائكه عذاب بسبب آنه كرده انداز قبائح أفعال).
قال أبو السعود : أولئك الذين أسلموا إلى ما كسبوا من القبائح انتهى وهو جعل معنى الباء كما في قوله مررت بزيد.
﴿لهم شراب﴾ كأنه قيل : ماذا لهم حين أبسلوا بما كسبوا فقيل لهم شراب ﴿من حميم﴾ أي من ماء مغلي يتجرجر في بطونهم وتتقطع به أمعاؤهم.
﴿وعذاب أليم﴾ بنار تشتعل بأبدانهم.
﴿بما كانوا يكفرون﴾ أي : بسبب كفرهم المستمر في الدنيا.
واعلم أن التكذيب بآيات الله تعالى والاستهزاء بها هو الكفر وعاقبة الكفر هو العذاب الأليم وكذا الإصرار على المعاصي يجر كثيرا من عصاة المؤمنين إلى الموت على الكفر والعياذ بالله.
وعن أبي إسحاق الفزاري قال : كان رجل يكثر الجلوس إلينا ونصف وجهه مغطى ، فقلت له : إنك تكثر الجلوس إلينا ونصف وجهك مغطى ، أطلعني على هذا ، فقال : وتعطيني الأمان؟ قلت : نعم قال كنت نباشا فدفنت امرأة فأتيت قبرها فنبشت حتى وصلت إلى اللبن ثم ضربت بيدي إلى الرداء ، ثم ضربت بيدي إلى اللفافة فمددتها فجعلت تمدها هي ، فقلت : أتراها تغلبني فجيت على ركبتي ، فجررت اللفافة فرفعت يدها فلطمتني وكشف وجهه ، فإذا أثر خمس أصابع ، فقلت له : ثم مه؟ قال : ثم رددت عليها لفافتها وإزارها ، ثم رددت التراب وجعلت على نفسي أن لا أنبش ما عشت ، قال : فكتبت بذلك إلي الأوزاعي فكتب إلى الأوزاعي ويحك سله عمن مات من أهل السنة ووجهه إلى القبلة فسألته عن ذلك ، فقال : أكثرهم حول وجهه عن القبلة فكتبت بذلك إلى الأوزاعي فكتب إلي إناوإنا إليه راجعون ثلاث مرات ، أما من حول وجهه عن القبلة فإنه مات على غير السنة ، وأراد بالسنة ملة الإسلام نسأل الله تعالى العفو والمغفرة والرضوان.
قال الحافظ قدس سره :
جزء : 3 رقم الصفحة : 46
يا رب ازابر هدايت برسان باراني
يشتر رانكه وكردى زميان برخيزم
وفي الآيات : إشارة إلى أنه لا يصلح للطالب الصادق المجالسة مع الذين يخوضون في أحوال الرجال ولاحظ لهم منها سوى التزيي بزيهم ، واللبس لخرقتهم لأن الطبع من الطبع يسرق
نفس از هم نفس بكيرد خوى
بر حذر باش از لقاي خبيث
باد ون بر فضاي بد كذر
بوي بد كيرد از هواي خبيث
فلا بد من الصحبة مع الأخيار والاتعاظ بكلمات الكبار.
وعن عبد الله بن الأحنف : قال خرجت من مصر أريد الرملة لزيارة الرود بادي قدس سره فرآني عيسى بن يونس المصري فقال لي : هل أدلك؟ قلت : نعم قال عليك بصور فإن فيها شيخا وشابا قد اجتمعا على حال المراقبة فلو نظرت إليهما نظرة لأغنتك باقي عمرك قال فدخلت عليهما وأنا جائع عطشان وليس علي ما يسترني من الشمس فوجدتهما مستقبلين القبلة فسلمت عليهما وكلمتهما فلم يكلماني فقلت أقسمت عليكما بالله إلا ما كلمتماني فرفع الشيخ رأسه وقال يا ابن الأحنف ما أقل شغلك حتى تفرغت إلينا ثم أطرق فأقمت بين يديهما حتى صلينا الظهر والعصر فذهب عني الجوع والعطش فقلت
51
للشاب عظني بشيء أنتفع به فقال نحن أهل المصائب ليس لنا لسان العظة فأقمت عندهما ثلاثة أيام بلياليها لم نأكل فيها شيئا ولم نشرب فلما كان عشية اليوم الثالث قلت في قلبي لا بد من سؤالهما في وصية أنتفع بها باقي عمري فرفع الشاب رأسه إلي وقال عليك بصحبة من يذكرك الله بنظره ويعظك بلسان فعله لا بلسان قوله ثم التفت فلم أرهما وأنشد لسان الحال :
شدوا المطايا قبيل الصبح وارتحلوا
وخلفوني على الأطلاق أبكيها ثم إن النصيحة سهلة والمشكل قبولها ومن أراد الله تعالى هدايته وسبقت منه له عناية يجذبه لا محالة إلى باب ناصح له في ظاهره وباطنه فيهتدي بنور العظة والتذكير إلى مسالك الوصول إلى الله الخبير فيترقى من حضيض هوى النفس التي تلعب كالصبيان إلى أوج هدى الروح الذي له وقار واطمئنان وعلو شأن فهذه الآيات الكريمة تنادي على داء النفس ودوائها ومن الله الإعانة في إصلاحها.
جزء : 3 رقم الصفحة : 46