﴿وإذا رأيت الذين يخوضون فى ءاياتنا﴾ إذا منصوب بجوابه وهو فأعرض والمراد بالخطاب النبي عليه السلام وأمته.
والخوض في اللغة الشروع في الشيء مطلقا إلا أنه غلب في الشروع في الشيء الباطل والآيات القرآن.
والمعنى إذا رأيت الذين يشرعون في القرآن بالتكذيب والاستهزاء به والطعن فيه كما هو دأب كفار قريش ﴿فأعرض عنهم﴾ بترك مجالستهم والقيام عنهم عند خوضهم في الآيات.
﴿حتى يخوضوا فى حديث غيره﴾ أي استمر على الإعراض إلى أن يشرعوا في حديث غير آياتنا فالضمير إلى الآيات والتذكير باعتبار كونها حديثا أو قرآنا.
﴿وأمآ﴾ أصله إن ما فأدغمت نون إن الشرطية في ما المزيدة ﴿ينسينك الشيطان﴾ أي : ما أمرت به من ترك مجالستهم.
﴿فلا تقعد بعد الذكرى﴾ أي : بعد أن تذكره فهو مصدر بمعنى الذكر ولم يجيء مصدر على فعلى غير ذكرى ﴿مع القوم الظالمين﴾ الذين وضعوا التكذيب والاستهزاء موضع التصديق والتعظيم وهذا الإنساء محض احتمال يدل عليه كلمة إن الشرطية فلا يلزم وقوعه مع أن العلماء قد اتفقوا على جواز السهو والنسيان على الأنبياء عليهم السلام والمراد بالشيطان إبليس أو واحد من أكابر جنوده لأن الذي
49
هو قرينه عليه أسلم فلا يأمره إلا بخير بخلاف قرين كل واحد من الأمة وفي الحديث "فضلت على آدم بخصلتين كان شيطاني كافرا فأعانني الله عليه فأسلم وكان أزواجي عونا لي وكان شيطان آدم وزوجته عونا على خطيئته" ولما قال المسلمون : لئن كنا نقوم كلما استهزؤوا بالقرآن لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام ونطوف بالبيت لأنهم يخوضون أبدا رخص الله تعالى في مجالستهم على سبيل الوعظ والتذكير فقال.
جزء : 3 رقم الصفحة : 46
﴿وما على الذين يتقون من حسابهم من شىء﴾ الضمير في حسابهم للخائضين ومن زائدة وشيء في محل الرفع على أنه مبتدأ للخبر المقدم وهو على الذين أي وما على المؤمنين الذين يجتنبون عن قبائح أعمال الخائضين وأقوالهم شيء ممايحاسبون عليه من الجرائم والآثام ﴿ولاكن ذكرى﴾ أي : ولكن عليهم أن يذكروهم ذكرى ويمنعوهم عن الخوض وغيره من القبائح بما أمكن من العظة والتذكير ويظهروا لهم الكراهة والنكير فنصب ذكرى على المصدرية والواو للعطف ، ولكن خالص للاستدراك فلا يلزم الجمع بين حرفي العطف كما أن اللام مع سوف تخرج عن كونها للحال وتخلص للتأكيد.
﴿لعلهم يتقون﴾ أي : يجتنبون الخوض حياء وكراهة لمساءتهم.
﴿وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا﴾ المراد بالموصول الكفار الخائضون في الآيات ودينهم هو الذي كلفوه وأمروا بإقامة مواجبه وهو دين الإسلام ومعنى اتخاذه لعبا ولهوا أنهم سخروا به واستهزؤوا ، واللعب عمل يشغل النفس وينفرها عما تنتفع به ، واللهو صرفها عن الجد إلى الهزل.
﴿وغرتهم الحيواة الدنيا﴾ واطمأنوا بها حتى زعموا أن لا حياة بعدها أبدا والمعنى أعرض عنهم واترك معاشرتهم وملاطفتهم ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم ولا تشغل قلبك بهم وليس المراد أن يترك إنذارهم لأنه تعالى قال : ﴿وذكر به﴾ أي : بالقرآن من يصلح للتذكر.
﴿أن تبسل نفس﴾ أي لئلا تسلم إلى الهلاك وترهن ﴿بما كسبت﴾ بسبب ما عملت من القبائح.
وأصل البسل والإبسال المنع ولذا صح استعمال الإبسال في معنى الإسلام إلى الهلاك لأن الإسلام إلى الهلاك يستلزم المنع فإنه إذا أسلم أحد إلى الهلاك كان المسلم إليه وهو الهلاك يمنع المسلم وهو الشخص من الخروج عنه والخلاص منه.
وفي "التفسير الفارسي للكاشفي" (تا تسليم كرده نشود بهلاك يا رسوا نكرده نفس هر كافري بسبب انه كرده است از بديها) ﴿ليس لها من دون الله ولى ولا شفيع﴾ استئناف مسوق للإخبار بذلك والأظهر أنه حال من نفس كأنه في قوة نفس كافرة أو نفوس كثيرة كما في قوله تعالى : ﴿علمت نفس مآ أحضرت﴾ ومن دون الله حال من ولي أي ليس لتلك النفس غيره تعالى من يدفع عنها العذاب ﴿وإن تعدل كل عدل﴾ أي تفد تلك النفس كل فداء بأن جاءت مكانها بكل ما كان في الأرض جميعا ﴿لا يؤخذ منهآ﴾ أي لا يقبل فقوله كل عدل نصب على المصدر فالعدل ههنا ليس بمعنى ما يفتدى به كما في قوله تعالى : ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾ (البقرة : 48) بل المراد المعنى المصدري.
جزء : 3 رقم الصفحة : 46
فإن قلت : الأخذ يتعلق بالأعيان لا بالمعنى؟.
قلت : نعم إلا أن الإمام قال : الأخذ قد يستعمل بمعنى القبول كما في قوله تعالى : ﴿ويأخذ الصدقات﴾ (التوبة : 104) أي يقبلها وإذا حمل الأخذ في هذه الآية على القبول جاز إسناده إلى المصدر بلا محذور والمقصود من هذه الآية بيان أن وجوه الخلاص منسدة على تلك النفس ومن أيقن بهذا كيف لا ترتعد فرائصه
50